التقنيات الناشئة في القطاع الثقافي: نحو إبداعٍ ذكي وحوكمةٍ للهوية الرقمية
ا.د. أحمد بن عبد اللطيف الخطيب — 2026-01-09
يشهد العالم اليوم تحوّلاً جذرياً في فهم الثقافة ووظيفتها المجتمعية، حيث لم تعد الثقافة مجرّد نتاج رمزي أو تراكم تراثي، بل أصبحت فضاءً رقمياً متجدداً تتقاطع فيه القيم والمعارف والبيانات والتجارب الإنسانية. وفي هذا التحوّل العميق يبرز المشهد السعودي بوصفه نموذجاً ملهماً في المنطقة العربية إذ يشهد القطاع الثقافي في المملكة طفرة نوعية تتقاطع فيها السياسات الوطنية والرؤى التقنية والاقتصادية، وفق مسار استراتيجي رسمته رؤية السعودية 2030 والتي وضعت الثقافة ضمن ركائز التنمية المستدامة ومحرّكات جودة الحياة.
مقدمة
يشهد العالم اليوم تحوّلاً جذرياً في فهم الثقافة ووظيفتها المجتمعية، حيث لم تعد الثقافة مجرّد نتاج رمزي أو تراكم تراثي، بل أصبحت فضاءً رقمياً متجدداً تتقاطع فيه القيم والمعارف والبيانات والتجارب الإنسانية. وفي هذا التحوّل العميق يبرز المشهد السعودي بوصفه نموذجاً ملهماً في المنطقة العربية إذ يشهد القطاع الثقافي في المملكة طفرة نوعية تتقاطع فيها السياسات الوطنية والرؤى التقنية والاقتصادية، وفق مسار استراتيجي رسمته رؤية السعودية 2030 والتي وضعت الثقافة ضمن ركائز التنمية المستدامة ومحرّكات جودة الحياة.
ولقد أصبحت التقنيات الناشئة - من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الممتد وسلاسل الكتل والبيانات الثقافية المفتوحة - ركائز أكثر ابتكارا في تجديد البنية الثقافية بشكل عام والثقافة السعودية بشكل خاص وتطوير منظومة الإبداع المحلي، وتمكين الهوية الوطنية من الحضور العالمي عبر أدوات رقمية حديثة. ولذلك فإن ما نشهده اليوم من رقمنة الثقافة وحَوكمة البيانات الثقافية وصناعة الإبداع الذكي يمثل مرحلة متقدمة في مشروع التحوّل الوطني المحلي داخل المملكة العربية السعودية، والذي يؤكد على ضرورة ربط الثقافة بالاقتصاد والهوية والتعليم والدبلوماسية.
الذكاء الاصطناعي وتحوّل الإبداع الثقافي
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي جذور العمل الثقافي المعاصر. فهو لا يُستخدم اليوم فقط كأداة برمجية أو وسيلة للبحث، بل أصبح شريكاً معرفياً في عملية الإبداع نفسها حيث تُستخدم الخوارزميات التوليدية في تحليل النصوص التراثية القديمة، وترميم اللوحات والمخطوطات، وإنتاج محتوى فني جديد يُزاوج بين التراث والحداثة، ويستجيب لذوق الجمهور وسلوكه الرقمي. وفي المملكة بدأ الذكاء الاصطناعي يُوظَّف في مبادرات الثقافة الرقمية مثل الترجمة الفورية للمحتوى الثقافي إلى لغات متعددة، وتحليل سلوك الزوار في الفعاليات والمتاحف، وتخصيص التجارب الثقافية عبر أنظمة التوصيات الذكية. هذه التحولات تفتح المجال أمام إبداعٍ ثقافي معرفي جديد تُسهم فيه الآلة والإنسان معاً، وتُعيد تعريف العلاقة بين المبدع والمتلقي، وبين النص والتقنية، وبين الهوية والعولمة. وقد أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2025 إطار الذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان (Human-Centered AI) وهو إطار وطني يُعد مرجعاً لتبنّي الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات، ومنها الثقافة، يضمن في ذلك احترام القيم والخصوصية وتحقيق الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتقنيات الذكية.
الواقع الممتد والميتافيرس… من التمثيل إلى التجسيد
يُعد الواقع الممتد (XR) أحد أبرز مظاهر الثورة الثقافية الرقمية، إذ يدمج بين الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) والميتافيرس (Metaverse) ليتيح تجارب غامرة تجعل الزائر يعيش الحدث الثقافي لا يشاهده فحسب. فعلى سبيل المثال يمكن للإنسان أن يدخل إلى متحف سعودي افتراضي ممتد يجوب من خلاله التاريخ والآثار والحرف، أو أن يشارك في مهرجان شعبي عبر فضاء ثلاثي الأبعاد من أي مكان في العالم. لذا فقد بدأت المملكة بالفعل تطبيق هذه الرؤية عبر مشاريع الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، والتي تبنّت برامج الإرث الرقمي لتوثيق المواقع الأثرية بتقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد وبناء مكتبة رقمية تفاعلية لآثار شمال الجزيرة العربية. هذا التحول يفتح الباب أمام نوع جديد من الدبلوماسية الثقافية الرقمية تنقل صورة المملكة إلى العالم عبر تجارب فنية تفاعلية تمزج بين القيم الجمالية والتقنيات الناشئة. وبذلك، يتحول الميتافيرس الثقافي إلى فضاء للتبادل الحضاري وتعزيز مبادئ الهوية الثقافية، وفهم الآخر للثقافة السعودية مع تجسيد لروحها المتسامحة والمنفتحة في إطار من الأصالة والابتكار.
سلاسل الكتل والاقتصاد الإبداعي الجديد
تُعد تقنية البلوكتشين (Blockchain) من أكثر التقنيات الواعدة في تمكين المبدعين وحماية حقوقهم الفكرية إذ تسمح بإنشاء سجلات رقمية آمنة للأعمال الفنية والمحتوى الإبداعي من خلال إنشاء رموز غير قابلة للاستبدال (NFTs) والتي تمكن توثيق العمل الفني رقمياً مع تداوله في السوق العالمي دون وسيط، بما يضمن الشفافية والعائد العادل. وتتماشى هذه التحولات مع الاتجاه العالمي نحو بناء اقتصاد إبداعي رقمي، وهو ما تسعى إليه المملكة عبر المبادرات القائمة مثل برنامج Ignite للمحتوى الرقمي والذي يهدف إلى مضاعفة حجم سوق الألعاب والفنون الرقمية والأفلام بحلول عام 2030 ، وقد أظهرت دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD لعام 2024 إلى أن الاقتصاد القائم على الإبداع والابتكار الرقمي القائم على تقنيات جديدة يمكن أن يسهم بنسبة تتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول التي تمتلك بنية تشريعية وتمويلية داعمة. ويعد هذا المجال أيضا نقلة نوعية من الدعم إلى التمكين ومن الاستهلاك الثقافي إلى الإنتاج ومن الفن المحلي إلى الاقتصاد العالمي للثقافة.
الحوكمة الرقمية الثقافية للتقنيات الناشئة
تُعد الحوكمة الرقمية الثقافية للتقنيات الناشئة هي الإطار الأهم الذي يضمن توازناً أخلاقياً ومعرفياً في إدارة هذا التحول التقني. فالثقافة ليست مجرد بنية رقمية واستخدام لأحدث التقنيات فحسب، بل منظومة قيمية تعبّر عن الإنسان وهويته وذاكرته الجمعية. ولهذا فإن تطوير السياسات الثقافية الرقمية التقنية في المملكة يمكن أن تقوم على ثلاث ركائز:
الشفافية والمسؤولية: ضمان وضوح آليات التوصية والذكاء الاصطناعي في المنصات الثقافية.
حماية الحقوق والخصوصية: من خلال تشريعات الملكية الفكرية والبلوكتشين.
العدالة الثقافية: تمكين جميع الفئات والمناطق من الوصول إلى الخدمات والتقنيات الثقافية الرقمية بشكل عادل.
وتتسق هذه الرؤية مع مبادئ اليونسكو حول الثقافة في العصر الرقمي، ومع التوصيات العالمية الخاصة بالثقافة والذكاء الاصطناعي التي تؤكد على التحول الإنساني للتقنية، وجعل الإنسان لا الآلة مركز عملية الإبداع. إضافة إلى ذلك تُكرّس رؤية 2030 الثقافة كأحد محركات التحول الوطني الشامل، والتي تجمع بين الهوية والقيمة الاقتصادية والتأثير العالمي.
الخاتمة
إن توظيف التقنيات الناشئة في القطاع الثقافي يساهم في خلق بنية معرفية اقتصادية تقنية تدعم جودة الحياة. إن التقنيات الناشئة ليست غاية بحد ذاتها، بل أدوات حضارية تعيد للثقافة دورها الطبيعي في بناء الإنسان وصياغة وعيه وانتماؤه. ويتجلّى هذا الدور في المزج بين الهوية والانفتاح، وبين التقنية والقيم وبين المحافظة والابتكار.
إننا نرى اليوم النقلة النوعية في إنتاج المعرفة الثقافية داخل المملكة باستخدام العديد من التقنيات الناشئة مراعية في ذلك ما يتصل بتوثيق التراث، ومن الاحتفاء بالماضي إلى صناعة المستقبل الثقافي المستدام.