إدارة التراث: من صون الذاكرة إلى بناء المستقبل
ممدوح الحربي — 2026-08-22
ما دور الإدارة الثقافية في تحويل التراث من ماضٍ إلى مورد؟
وهل مطلوب من مواقع التراث جميعها أن تتحول إلى مصادر للاقتصاد؟
ما دور الإدارة الثقافية في تحويل التراث من ماضٍ إلى مورد؟
لم يعد التراث يُفهم اليوم بوصفه بقايا الماضي أو شواهد أثرية صامتة، وإنما باعتباره رصيدًا ثقافيًا يمكن تشغيله وتوظيفه في خدمة الهوية والتنمية والاقتصاد. ومع ذلك، فإن التراث-مهما بلغ ثراؤه-لا يتحول تلقائيًا إلى مورد؛ فالقيمة التراثية بطبيعتها قيمة كامنة لا تنتج أثرًا ثقافيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا ما لم تُفعَّل عبر إدارة واعية. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين ما يمكن تحويله إلى مورد وما يجب الاكتفاء بحفظه؛ إذ ليست جميع عناصر التراث قابلة -ولا مطلوبًا منها- أن تتحول إلى موارد اقتصادية. فبعض العناصر تُصان لرمزيتها أو لندرتها أو لقيمتها التاريخية، بينما تمتلك عناصر أخرى قابلية للتفسير وإعادة الاستخدام. وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقيمة التراث وحدها، بل بقدرة الإدارة على قراءة المواقع قراءة دقيقة تحدد ما يصلح للتشغيل، وتصميم آليات تُحوّل ذاكرة المكان إلى مورد معاصر دون الإضرار بأصالته.
ما المقصود بإدارة التراث؟
تُعرَّف إدارة التراث بأنها منظومة شاملة تُحوِّل القيمة التراثية من وجود ساكن إلى مورد حيّ يخدم المجتمع والثقافة والاقتصاد. وتستند هذه المنظومة إلى أربع وظائف متداخلة: فهم القيمة من خلال تحليل الدلالات التاريخية والمعمارية والاجتماعية وتوثيقها، ثم حفظها عبر حماية الأصالة والصيانة الوقائية وإدارة التغيّر، ثم تفعيلها بإعادة الاستخدام المتكيف وتصميم السرديات وبرامج الزوار والتجارب الثقافية، وأخيرًا ضمان استدامتها عبر نماذج تشغيل واضحة وحوكمة رشيدة وشراكات مجتمعية واقتصادية.
لا تقتصر إدارة التراث على حماية المباني أو عمليات الترميم؛ فهذه ليست سوى طبقة واحدة في منظومة أوسع. وتشير الأدبيات إلى أن الإدارة تشمل أيضًا التخطيط وسياسات الاستخدام، إدارة التغيّر، التفسير الثقافي، وتطوير النماذج التشغيلية التي تكفل ديمومة المواقع وتفاعلها مع المجتمع. فالتفعيل الثقافي ليس نتيجة الترميم، بل نتيجة الربط بين المعرفة، والتخطيط، والتفسير، والتشغيل. وبمجرد تحديد وظائف إدارة التراث، يبرز سؤال أساسي يتعلق بمن يتولى إدارة هذه المواقع وكيف تتوزع الأدوار داخل منظومة الحوكمة.
ومع التوسع المستمر في نطاق المواقع المكتشفة أو المدرجة ضمن قوائم القيمة، تتضح الحاجة إلى نماذج حوكمة أكثر لامركزية. فليس من الواقعي أن تتولى جهة مركزية واحدة مسؤوليات الإدارة والتشغيل لكل موقع، حتى وإن بقيت الدولة الجهة المشرفة والمشرِّعة. وتُظهر الخبرات الدولية أن توزيع الأدوار بين المجتمع المحلي، والقطاع الثالث، والمشغلين الثقافيين، والجهات الاستثمارية يساهم في حماية القيمة ويعزّز الاستدامة، بينما تبقى الدولة مسؤولة عن الامتثال ووضع المعايير وضمان الأصالة. وقد أثبتت التجارب أن الموقع التراثي يظل ملكًا عامًا، لكن تشغيله يمكن أن يُمنح لجهات محلية أو مستقلة ضمن إطار حوكمة صارم يوازن بين الحماية والتشغيل.
وهكذا تصبح إدارة التراث ممارسة معقدة تتجاوز الإجراءات الهندسية، لتتحول إلى منظومة معرفية واقتصادية واجتماعية تُسهم في تحويل المواقع من ذاكرة محفوظة إلى مورد متجدد قادر على دعم الهوية والتنمية والثقافة.
واقع إدارة التراث في السعودية اليوم
يشهد قطاع التراث في السعودية تحولًا مؤسسيًا ومنهجيًا عميقًا انتقل من التركيز على الحماية والترميم إلى نموذج يقوم على التوثيق، والتخطيط، والتفسير، والتفعيل، والحوكمة. وقد شكّل تأسيس هيئة التراث نقطة تحول مفصلية وفرت مرجعية وطنية موحّدة تنظّم المهن، وتقود أعمال المسح، وتضع خطط الإدارة وتشرف على تنفيذها.
وتعزّز هذا التحول عبر المسار الطويل لانضمام مواقع سعودية إلى قائمة التراث العالمي-مثل الحجر (مدائن صالح)، حي الطريف، جدة التاريخية، الفنون الصخرية في حائل، واحة الأحساء، ومنطقة حمى الثقافية. وقد جاءت هذه التسجيلات عبر مراحل مؤسسية متراكمة سبقت تأسيس هيئة التراث واستمرت بعدها، إلا أن وجود الهيئة أسهم في توحيد المرجعية التنظيمية ورفع مستوى الحوكمة وإدارة المواقع وفق معايير الأصالة والنزاهة وإدارة التغيّر التي تفرضها اليونسكو.
برزت برامج كبرى مثل الدرعية، وجدة التاريخية، والعلا كنماذج تشغيل متطورة تجمع بين إعادة الاستخدام، وإدارة الزوار، وتصميم التجارب الثقافية، والاقتصاد الإبداعي. وتمثل العلا مثالًا واضحًا على الإدارة المتكاملة التي تربط بين التوثيق، والحماية، والسرديات، والتفعيل.
على نحو متزامن، حقق التراث غير المادي تقدمًا ملحوظًا، عبر توسع عمليات الجرد والتوثيق وإدراج عناصر جديدة في قوائم اليونسكو، مما أسهم في دمج الممارسات التقليدية في سياسات الهوية الوطنية.
وعلى الرغم من هذا التقدم المؤسسي والمنهجي، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن مجموعة من التحديات التي لا يمكن تجاهلها. فالنقص النسبي في الكفاءات المتخصصة-مقارنة بالنمو المتسارع في عدد المواقع-يمثل أحد أبرز التحديات، خصوصًا في المواقع الحساسة كالعمارة الطينية والهياكل الهشة. وتبرز الحاجة إلى وضع منهجيات واضحة لتحديد درجات الأهمية بين المواقع، لأن التراث غير قابل للاسترداد وأي تدخل خاطئ قد يؤدي إلى فقدان قيمته. كما يتعقد المشهد عند محاولة موازنة التشغيل الاقتصادي مع الحفاظ على القيمة الثقافية؛ فالتشغيل يجب أن يظل تابعًا للقيمة، لا أن يفرض عليها استخدامات تُفقدها أصالتها. ومن التحديات البنيوية أيضًا الاعتماد المفرط على المؤسسات الحكومية في التشغيل، بينما تُظهر الخبرات الدولية أن إدارة المواقع تتطلب إشراك المؤسسات الأهلية، والقطاع الثالث، والجهات الاستثمارية، والمجتمعات المحلية. فالدولة تضع المعايير وتنظم الامتثال، لكنها ليست الجهة الأنسب لتشغيل كل موقع؛ بينما الإدارة اليومية تُفترض أن تنبع من الجهة الأقرب إلى الموقع والأقدر على فهمه.
كيف يمكن تعزيز إدارة التراث في المرحلة القادمة؟
يتطلّب تعزيز إدارة التراث الانتقال من تحسين الأدوات إلى تطوير المنظومة نفسها. ويبدأ هذا التحول ببناء قدرات متعددة التخصصات تتجاوز التدريب التقليدي نحو إنشاء مسار مهني يغطي الإدارة، وتقييم الأثر التراثي، والتفسير الثقافي، وإدارة التغيّر، والاقتصاد الثقافي، إلى جانب المسوح الرقمية ومواد البناء. فالتراث لا يُدار بمهنة واحدة، وإنما بمنظومة معرفية ومهنية متكاملة.
وفي إطار متصل، يحتاج القطاع إلى تطوير حوكمة متدرجة تميز بين مستويات القيمة، وتحدد التدخلات، وتربط نوع الإدارة بدرجة الأهمية، وتعيد توزيع الأدوار بين الدولة والقطاعين الأهلي والخاص والمجتمعات المحلية. هذا الانتقال من مركزية الإدارة إلى تنوع نماذج التشغيل هو شرط أساسي للاستدامة.
أما التقنيات الرقمية-كالنمذجة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي-فلا ينبغي أن تكون أدوات عرض فقط، بل جزءًا من آليات اتخاذ القرار في رصد التغيّر، وبناء التوائم الرقمية، والتنبؤ بالمخاطر، وتحليل النسيج العمراني، وإعادة بناء العناصر المفقودة. ويظل نجاح هذا المسار مرهونًا بالتمييز بين المؤكد والافتراضي، وبالتوثيق الدقيق لمصادر كل نموذج رقمي.
وبتكامل هذه المسارات-القدرات المتخصصة، والحوكمة المتدرجة، والتقنيات المتقدمة-يمكن للقطاع الانتقال من إدارة المواقع إلى تشغيل التراث بوصفه منظومة ثقافية ومعرفية واقتصادية تشارك فيها الدولة والمجتمع والقطاعان الخاص وغير الربحي.
من ذاكرة الماضي إلى رصيد المستقبل
الإدارة الثقافية ليست مجرد وسيلة لحماية الذاكرة، هي أداة لإعادة توظيف التراث في بناء المستقبل. فالتراث بمختلف أشكاله يبقى قيمة كامنة لا تتحول إلى مورد إلا عبر إدارة تفهمه وتحفظه وتفعله وتضمن استدامته. ومع التحولات الحالية، يتجه القطاع نحو مرحلة يصبح فيها التراث عنصرًا فاعلًا في التنمية الثقافية والاقتصادية، ومكوّنًا أساسيًا في تشكيل هوية المستقبل.