كيف يمكن للسعودية أن تقود مشهد قياس الاقتصاد الإبداعي في الخليج؟
نهاد الهادية — 2026-07-05
هل الأطر العالمية لقياس القطاع الإبداعي والثقافي مناسبة لواقعنا الخليجي؟ أم نحن بحاجة إلى أطر أكثر خصوصية؟
عند قراءتي لتقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2024م تحت عنوان "الأثر الثقافي"، استوقفني فصل "الاقتصاد الإبداعي"، وما لفت انتباهي هو الاعتراف الصريح بغياب البيانات المتعلقة بالاقتصاد الإبداعي، والتي تضم مساهمته في الناتج المحلي، والعمل في القطاع الثقافي والإبداعي، والصادرات، والواردات الثقافية، والإبداعية. ناقش الفصل أبرز التحديات في الاعتماد على التصنيفات العالمية مثل ISIC لحساب الأنشطة الثقافية والإبداعية، وISCO للمهن الثقافية والإبداعية، والنظام المنسّق (HS) أو تصنيف خدمات ميزان المدفوعات الموسّع (EBOPS)، نظرًا لعدم دقتها في وصف الاقتصاد الإبداعي. وهذه التحديات نفسها نوقشت بعمق في الدراسات المتعلقة بالاقتصاد الإبداعي، فهي تحديات تواجه العديد من دول العالم التي تعتمد على هذه التصنيفات، وعلى إطار اليونسكو لإحصاءات الثقافة. وعلى الرغم من معالجة الإطار لبعض هذه التحديات في نسخته الأخيرة التي نُشرت عام 2025، إلا أنه ما زال يعاني من تناقض بنيوي بين "المرونة السياقية" و"قابلية المقارنة الدولية"، وغموض مفهومي مستمر حول تعريف "الثقافة" و"الإبداع"، وضعف في القدرة على قياس الاقتصاد غير الرسمي وغير المرخّص، واعتماد مفرط على أدوات قياس تقليدية لا تناسب طبيعة الاقتصاد الرقمي، فضلاً عن فجوة القدرات الإحصائية وتفاوتها الحاد بين الدول، وصعوبة الوصول إلى بيانات القطاع الخاص، وصعوبة قياس الأبعاد الرمزية والآثار التشعبية.
على مدى عقود، ناقش الباحثون الجدل القائم حول ما يُحتسب ثقافيًا وإبداعيًا وما يُستبعد من هذه الحسابات، وهو جدل دفعهم إلى ابتكار أدوات تُعزز من دقة القياس. أما في دول الخليج العربي، فلا يوجد لغاية الآن "قادة فكر" يقودون مشهد الابتكار في احتساب الاقتصاد الإبداعي، على الرغم من إعلان بعض الدول -مثل الإمارات- عن مساهمة الاقتصاد الإبداعي لإمارة دبي، من خلال توظيف "إطار دبي للإحصاءات الثقافية"، الذي يستند في نهاية المطاف على إطار اليونسكو للإحصاءات الثقافية.
لذلك، من خلال هذا المقال سأناقش كيف يمكن للسعودية أن تقود مشهد قياس الاقتصاد الإبداعي في الخليج، من خلال طرح أفكار من التجارب الدولية التي نجحت في ابتكار أدوات لقياس الاقتصاد الإبداعي.
أين يقف المشهد الخليجي اليوم؟
يستحق المشهد الإماراتي تنويهًا خاصًا، فهو الأكثر تقدمًا في الخليج حتى اللحظة، وفي الوقت نفسه يكشف بدقة حجم الفرصة التي ما زالت قائمة. على مستوى الإمارة، أطلقت هيئة الثقافة والفنون في دبي "إطار دبي للإحصاءات الثقافية" بالتعاون مع مركز دبي للإحصاء في ديسمبر 2021، وهو إطار يضع توصيفًا وتصنيفًا إحصائيًا محليًا لأنشطة الاقتصاد الإبداعي وفق المعايير الدولية. أظهرت آخر دراسة إحصائية مستندة إلى هذا الإطار أن الصناعات الثقافية والإبداعية حافظت على مساهمتها في الناتج المحلي للإمارة عند 4.02%، فيما تستهدف استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي مضاعفة هذه المساهمة إلى 5% بحلول 2025، ومضاعفة عدد الشركات الإبداعية من 8,300 إلى 15,000 شركة، وعدد المبدعين من 70,000 إلى 140,000.
وعلى مستوى الدولة، تحركت دولة الإمارات خطوة أخرى إلى الأمام: في نوفمبر 2025، أطلقت وزارة الثقافة الإماراتية - بالشراكة مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) والمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء - برنامجًا تدريبيًا لتحديث "مشروع الإطار الإحصائي للاقتصاد الإبداعي" الوطني، ضمن استراتيجية وطنية أُطلقت عام 2021 تستهدف رفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، وإدخالها ضمن أهم عشر صناعات اقتصادية في الدولة. واللافت أن المسؤولين هناك صرّحوا بوضوح أن الهدف هو وضع الدولة "في موقع ريادي عالمي في تطوير نماذج الإحصاء الثقافي" إقليميًا ودوليًا.
هذا يعني أمرين: الأول أن هناك بالفعل تحركًا خليجيًا جادًا في هذا الملف، والثاني - وهو الأهم لهذا المقال - أن ما تحقق حتى الآن، رغم قيمته الحقيقية، يبقى إما على مستوى إمارة واحدة، أو في طور تأسيسي على مستوى الدولة. لا يوجد بعد إطار خليجي موحّد يصلح مرجعية تُقاس عليها جميع دول مجلس التعاون، وهنا بالضبط تكمن الفرصة التي يمكن للسعودية أن تستثمرها.
ما يؤهل السعودية لقيادة هذا المشهد
تمتلك المملكة مجموعة من المقومات المتراكمة التي تؤهلها لتجاوز نموذج "الإطار الإحصائي الوطني" إلى نموذج "المرجعية الإقليمية". أولها البنية المؤسسية: إحدى عشرة هيئة ثقافية متخصصة تتبع وزارة الثقافة - من هيئة الأفلام إلى هيئة الموسيقى إلى هيئة الفنون البصرية - تشكّل شبكة من مصادر البيانات الإدارية والتراخيص لم تتوفر لأي دولة خليجية أخرى بهذا الاتساع. وثانيها القدرة التقنية المتراكمة لدى الهيئة العامة للإحصاء، التي طبّقت فعليًا منهجية القياس الطبقي (الضيق، والأساسي، والواسع) في مسح الاقتصاد الرقمي 2024 - وهي بالضبط البنية المنهجية التي يحتاجها قياس دقيق للاقتصاد الإبداعي، بل يمكن اعتبارها نموذجًا تجريبيًا جاهزًا لإعادة التوطين.
وثالثها أن وزارة الثقافة نفسها فتحت هذا الملف رسميًا: فتقرير الحالة الثقافية 2024م لم يكتفِ برصد غياب بيانات الاقتصاد الإبداعي، وإنما دعا صريحًا إلى بناء إطار وطني شامل لتقييم الأثر الثقافي يتجاوز النهج التقليدي ويستند إلى مؤشرات كمية ونوعية، في ضوء ما وصفه التقرير بأنه "اكتمال البناء المؤسسي للقطاع". ورابعها حجم الاقتصاد ووزنه داخل مجلس التعاون الخليجي: فأي معيار قياس تتبناه السعودية، بحجم اقتصادها وثقل تجربتها الثقافية الممتدة من موسم الرياض إلى العلا والدرعية إلى قطاع الألعاب، سيصبح بحكم الواقع نقطة مرجعية يصعب على بقية دول المجلس تجاوزها.
من المشكلة إلى الأداة: ابتكارات عالمية جاهزة للتوطين
حلّت الإشكاليات السبع التي تواجه إطار اليونسكو تجارب دولية محددة، يمكن البناء على حلولها مباشرة بدل إعادة اختراعها من الصفر.
في معضلة التوازن بين المرونة السياقية وقابلية المقارنة، قدّمت كندا نموذجًا ناضجًا: طوّرت إحصاء كندا "الحساب الفرعي الثقافي" على مدى ست سنوات، بدأت بدراسة جدوى استغرقت أربع سنوات بمفردها، بشراكة جمعت الحكومة الفيدرالية والمقاطعات وجامعة OCAD وشبكة المدن الإبداعية الكندية. فأصبح الحساب متجذرًا في نظام الحسابات القومية، وبذلك قابلًا للمقارنة، بينما يحتفظ بمرونة كافية لإصدار مؤشرات على مستوى كل مقاطعة وإقليم على حدة. والنتيجة أن الناتج المحلي الثقافي الكندي ارتفع 5.2% ليبلغ 63.2 مليار دولار كندي في 2023، بحصة تشغيل ثابتة عند 3.8% من إجمالي الوظائف.
أما الغموض المفهومي حول تعريف "الثقافي" و"الإبداعي"، فحلّته المملكة المتحدة بطريقة كمية صِرفة عبر مفهوم "كثافة الإبداع"، عبر تحديد أي الصناعات -على مستوى التصنيف الصناعي الدقيق- تُعدّ إبداعية، بحسب نسبة المهن الإبداعية العاملة فيها، بدل الدخول في جدل فلسفي حول تعريف الإبداع نفسه. وتقدّم المنظمة العالمية للملكية الفكرية مسارًا مكمّلًا عبر دليلها لقياس الأثر الاقتصادي للصناعات القائمة على حقوق النشر (2015)، الذي يربط القياس بمعيار تشغيلي مختلف تمامًا، وهو الاعتماد على الملكية الفكرية كأساس للتصنيف، وهو تحديدًا المسار الذي اختارته الإمارات حديثًا بالشراكة مع المنظمة نفسها.
وفي مواجهة ضعف قياس الاقتصاد غير الرسمي، يقدّم نموذج الوكالة الكورية لمحتوى الإبداع (KOCCA) حلًا عمليًا قليل التكلفة، يتمثل في متابعة الوكالة القطاعات الناشئة -كصناعة الويبتون (الروايات المصورة الرقمية)- عبر مسح داخلي تجريبي لسنوات، قبل ترقيته إلى إحصاء وطني رسمي معتمد. وهذا ما حدث فعليًا مع قطاع الويبتون الكوري في 2025، بعد متابعة بدأتها الوكالة منذ 2017. وجود مسار "تجريبي ثم رسمي" كهذا يصلح بدقة لقطاعات سعودية ناشئة، كصناعة المحتوى والرياضات الإلكترونية.
وفي مسألة الأدوات التقليدية غير المناسبة لقياس الصناعات الإبداعية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، طوّرت أستراليا -بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- حسابًا فرعيًا رقميًا تُستخدم صيغ مشابهة منه في الولايات المتحدة ونيوزيلندا، يقيس النشاط الرقمي بمعزل عن قيود التصنيفات الصناعية التقليدية التي لم تُصمَّم أصلًا لرصده.
وللأبعاد الرمزية والآثار التشعبية -وهي الأصعب قياسًا في أي إطار- تقدّم كوريا مرة أخرى الحل الأكثر دقة، فقد استخدمت KOCCA جداول المدخلات والمخرجات لحساب "معامل الحث الإنتاجي"، فأثبتت رقميًا أن نمو صناعة المحتوى المرتبط بالموجة الكورية ينعكس مباشرة على نمو صادرات الصناعات الغذائية المصنّعة. وهي أداة يمكن توطينها لقياس كيف ينعكس نمو فعاليات كموسم الرياض، أو نمو صادرات الألعاب السعودية، على قطاعي السياحة والطيران.
وأخيرًا، في معضلة فجوة القدرات الإحصائية، يبقى الدرس الفرنسي الأكثر كفاءة من حيث استخدام الموارد: دائرة الدراسات والاستشراف والإحصاء بوزارة الثقافة الفرنسية (DEPS)، العاملة منذ خمسين عامًا، لا تُجري كل مسح بالوتيرة نفسها؛ فمسح الممارسات الثقافية للفرنسيين يتكرر كل عشر سنوات، ومسح إنفاق الحكومات المحلية على الثقافة كل خمس سنوات، بينما تُنشر نشرة سنوية مختصرة للمؤشرات الحيوية فقط. كما ترصد فرنسا بدقة لافتة المنشآت متناهية الصغر التي لا تضم أي موظف (78% من إجمالي منشآتها الثقافية، مقارنة بـ65% في باقي الاقتصاد)، وهي الفئة الأقرب لرائد الأعمال الإبداعي المستقل الذي يشكّل عماد الاقتصاد الإبداعي الناشئ في الخليج.
من نموذج وطني إلى معيار خليجي
جمع هذه الابتكارات الستة في إطار وطني سعودي محكم خطوة ضرورية، لكنها لن تضع السعودية في موقع "قيادة المشهد الخليجي" بالمعنى الدقيق للكلمة. القيادة الفعلية تحتاج خطوة أبعد: أن تتحول المنهجية السعودية من معيار وطني إلى مرجعية إقليمية تتبناها بقية دول مجلس التعاون.
ولهذا النمط سوابق عالمية ناجحة يمكن الاستفادة منها مباشرة. في أوروبا، توحّدت دول الاتحاد حول دليل يوروستات للإحصاءات الثقافية عبر مبادرةESSnet-Culture ، التي وفّرت تصنيفًا وتعريفات مشتركة تتيح مقارنة الناتج الثقافي بين برلين ومدريد وروما بثقة منهجية. وفي أمريكا اللاتينية، أنتجت اتفاقية أندريس بيّو دليلًا موحدًا للحسابات الفرعية الثقافية، تتبناه معظم دول المنطقة منذ أكثر من عقد. كلا النموذجين بدأ بمبادرة محدودة اقترحت منهجية أولية، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى معيار جماعي يتشارك القياس والمصطلح.
لا يوجد ما يعادل هذا في الخليج حتى اليوم. والسعودية - بثقل اقتصادها، وتنوع تجربتها الثقافية، وبنيتها المؤسسية المكتملة حديثًا- هي الأقدر على تقديم هذه المبادرة: عقد ورشة عمل إحصائية خليجية مشتركة، تحت مظلة الأمانة العامة لمجلس التعاون أو بالتعاون المباشر بين الهيئة العامة للإحصاء ووزارة الثقافة، تُطرح فيها مسودة إطار خليجي موحّد لإحصاءات الاقتصاد الإبداعي يستعير الأدوات الست المذكورة أعلاه، ويُفتح للتعديل والتبني من بقية الأعضاء. والمسألة هنا ليست منافسة مع التجربة الإماراتية، بقدر ما هي استكمال لها، فما بدأته دبي على مستوى الإمارة، وما بدأه الاتحاد، يمكن أن تكتمل صورته في معيار خليجي تتوافق حوله الدول الست، تحمل المملكة فيه صفة المُقترِح والمستضيف، لا المتابع.
الخلاصة
ما تكشفه قراءة تقرير الحالة الثقافية 2024م ليس نقصًا، هو دعوة. تملك المملكة الآن الإرادة السياسية المتمثلة في رؤية 2030، والبنية المؤسسية المتمثلة في الهيئات الثقافية الإحدى عشرة. وما ينقص فقط هو القرار بتحويل هذه المقومات الثلاثة إلى أداة قياس تُصدَّر للجيران، قبل أن تُستورد منهم.
المصادر
وزارة الثقافة السعودية، "تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2024م: الأثر الثقافي"، سبتمبر 2025.
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، Framework for Cultural Statistics، النسخة المنشورة في مؤتمر موندياكولت، برشلونة، سبتمبر 2025.
هيئة الثقافة والفنون في دبي ("دبي للثقافة") ومركز دبي للإحصاء، دراسة مؤشرات أداء الصناعات الثقافية والإبداعية في إمارة دبي 2018-2020، أبريل 2022.
البوابة الرسمية لحكومة الإمارات العربية المتحدة، "استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي".
وزارة الثقافة الإماراتية، بالشراكة مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية والمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، الإعلان عن برنامج تحديث الإطار الإحصائي الوطني للاقتصاد الإبداعي، نوفمبر 2025.
Statistics Canada, Culture Satellite Account؛ وProvincial and Territorial Culture Indicators, 2024.
Korea Creative Content Agency (KOCCA), التقارير الفصلية لصناعة المحتوى، وتقرير "K-Food puts on content and takes wing"، 2025-2026.
UK Department for Culture, Media & Sport (DCMS), Creative Industries Economic Estimates: Methodology.
Australian Bureau of Statistics / Bureau of Communications, Arts and Regional Research (BCARR), Cultural and Creative Activity Satellite Accounts Methodology Refresh، 2023-2025.
Ministère de la Culture (فرنسا)، Département des études, de la prospective, des statistiques et de la documentation (DEPS)، Chiffres clés 2024 de la culture et de la communication.
World Intellectual Property Organization (WIPO), Guide on Surveying the Economic Contribution of the Copyright-Based Industries، 2015.
UN Trade and Development (UNCTAD), Advancing the Measurement of the Creative Economy: A Revised Framework for Creative Industries and Trade، 2024.
الهيئة العامة للإحصاء (السعودية)، نتائج مسح الاقتصاد الرقمي 2024، ونشرة إحصاءات الثقافة والترفيه.