حين تكتب الآلة قصة جيدة.. أين تبقى البصمة الإنسانية؟
د. محمد عباس — 2026-09-29
يغيّر الذكاء الاصطناعي أدوات الإبداع، لكن مستقبل الثقافة سيتحدد بقدرتنا على الجمع بين الكفاءة التقنية والوعي النقدي والمسؤولية الأخلاقية.
لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الثقافة والفنون يدور حول احتمال دخوله إلى المجال الإبداعي؛ فقد دخل بالفعل، وأصبح حاضراً في الكتابة والتصميم والترجمة وصناعة الصورة والموسيقى، وفي عمل المكتبات والمتاحف والأرشيفات والمنصات الثقافية.
السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه اليوم هو: ماذا يحدث لمفهوم الإبداع نفسه عندما تستطيع الآلة إنتاج عمل يجذب الجمهور، وربما يتفوق في تقييمه على عمل كتبه إنسان؟
عاد هذا السؤال إلى ذهني خلال حضوري النسخة السابعة من "المنتدى الإبداعي 2026"، التي أُقيمت تحت شعار "البصمة الإنسانية في الممارسات الثقافية المعاصرة"، ولا سيما خلال جلسة "بين الإبداع والتقنية: تعليم الفنون والتصميم في عصر الذكاء الاصطناعي".
تناولت الجلسة التحولات التي يشهدها تعليم الفنون والتصميم، والمهارات التي يحتاج إليها المبدع والعامل في القطاع الثقافي حتى يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي، لا باعتباره حلاً سحرياً ولا تهديداً ينبغي رفضه بالكامل.
وبينما كنا نناقش كيف نحافظ على البصمة الإنسانية، جاءت دراسة حديثة لتجعل السؤال أكثر تعقيداً.
هل كتَب الذكاء الاصطناعي قصصاً أفضل من البشر؟
نشرت دورية Judgment and Decision Making دراسة بعنوان: "آلة أم إنسان: هل يستطيع الناس التمييز بين القصص التي كتبها بشر وتلك التي أنتجها نظام ذكاء اصطناعي؟". شارك في إحدى تجارب الدراسة 1682 شخصاً، وقرأ كل منهم قصة واحدة من بين ست قصص قصيرة؛ ثلاث كتبها مؤلفون بشريون، وثلاث أنشأها ChatGPT حول موضوعات مشابهة. ثم طُلب من المشاركين تقييم جودة القصة ومدى قدرتها على جذبهم وإدماجهم في أحداثها.
أظهرت النتائج أن القصص التي أنشأها الذكاء الاصطناعي حصلت، في المتوسط، على تقييمات أعلى من القصص البشرية من حيث الجودة وسهولة التلقي والقدرة على جذب القارئ.
لكن النتيجة الأكثر دلالة ظهرت عندما أخبر الباحثون المشاركين بهوية الكاتب، سواء كانت المعلومة صحيحة أو غير صحيحة. فقد ارتفع تقييم القصص عندما اعتقد القراء أن إنساناً هو من كتبها، حتى عندما كانت القصة في حقيقتها مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
وفي تجربتين إضافيتين شملتا 905 أشخاص، لم يظهر دليل عام على قدرة المشاركين على التمييز بصورة موثوقة بين القصة البشرية والقصة الآلية؛ إذ بلغت نسبة الإجابات الصحيحة في إحدى التجربتين نحو 40%، وفي الأخرى نحو 52%، أي قريبًا من مستوى المصادفة.
هذه النتائج لا تعني ببساطة أن "الآلة أصبحت أكثر إبداعاً من الإنسان". فالدراسة قارنت عدداً محدوداً من القصص القصيرة، ولا يمكن تعميمها على الرواية والشعر والمسرح وسائر أشكال التعبير الأدبي. كما أن ارتفاع التقييم قد يرتبط بقدرة النماذج اللغوية على إنتاج نصوص واضحة وسلسة وسهلة القراءة، وليس بالضرورة بامتلاكها تجربة إنسانية أو رؤية فنية أصيلة.
لكن الدراسة تضعنا أمام حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن مخرجات الذكاء الاصطناعي أصبحت مقنعة بدرجة تجعل الحكم على العمل من خلال شكله النهائي وحده غير كافٍ.
الجودة الفردية لا تعني التنوع الثقافي
تكمل دراسة أخرى، نشرها الباحثان أنيل دوشي وأوليفر هاوزر في دورية Science Advances ، هذه الصورة من زاوية مختلفة.
طلب الباحثان من 293 مشاركاً كتابة قصص قصيرة، مع السماح لبعضهم بالاستعانة بأفكار اقترحها الذكاء الاصطناعي. وحصلت القصص المدعومة بتلك الأفكار على تقييمات أفضل نسبياً في جودة الكتابة وقابلية النشر، وكان الأثر أوضح لدى المشاركين الأقل خبرة أو قدرة إبداعية.
يبدو هذا، للوهلة الأولى، مكسباً واضحاً، أن يساعد الذكاء الاصطناعي عدداً أكبر من الناس على التعبير، ويقلل الحواجز أمام ممارسة الكتابة، ويرفع مستوى المنتج الفردي.
لكن الباحثين رصدوا في المقابل أن القصص التي استفادت من أفكار الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تشابهاً بعضها مع بعض. وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد يساعد الذكاء الاصطناعي كل فرد على إنتاج قصة تبدو أفضل، بينما يقود الاعتماد الجماعي على الأدوات والمقترحات نفسها إلى محتوى أقل تنوعاً على مستوى المجتمع.
وإذا تحولت هذه الظاهرة إلى نمط واسع داخل الصناعات الثقافية، فقد نجد أمامنا أعمالاً متقنة وسلسة وجذابة، لكنها تتحرك داخل دوائر متشابهة من الأفكار والحبكات واللغة والصور.
وهو ما تؤيده أبحاث أخرى رصدت تكرار عناصر الحبكة داخل القصص التي تنتجها النماذج اللغوية. فالآلة تستطيع توليد عدد هائل من النصوص، لكن الكثرة العددية لا تعني تلقائياً تنوعًا حقيقيًا في الرؤية والتجربة.
وفي مقالة أخرى نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال بعنوان "أغرقَ الذكاءُ الاصطناعي صناعةَ النشر الكتابي في فوضى عارمة"، تناولت التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع النشر مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تأليف الكتب، وما أثاره ذلك من جدل حول أصالة المحتوى وحدود استخدام التقنية في العملية الإبداعية.
وأدت حالات إلغاء نشر بعض الكتب والروايات بسبب الاشتباه في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إثارة تساؤلات جوهرية حول مفهوم التأليف والإبداع، والعلاقة بين الكتّاب والناشرين، ومستقبل صناعة النشر على المدى الطويل، إلى جانب تحديد مسؤولية الأطراف المعنية عن التحقق من أصالة الأعمال المنشورة.
وتتباين مواقف دور النشر والوكلاء الأدبيين تجاه هذه التحولات، بين من يرفض استخدام الذكاء الاصطناعي في التأليف، ومن يقبل توظيفه كأداة مساندة في بعض مراحل وعمليات النشر، فيما يلجأ آخرون إلى أدوات الكشف عن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، رغم استمرار الجدل حول مدى دقتها وموثوقيتها.
كما تبرز تحديات أخرى تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وضرورة الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد المسؤولية عن المحتوى المنتج بمساعدته، في ظل غياب ضوابط ومعايير موحدة ترسم الحدود بين الاستخدام المقبول للتقنية وبين ما قد يمس أصالة العمل والإبداع البشري.
ثلاث مجموعات من المهارات
يقودنا ذلك إلى ما طُرح في المنتدى الإبداعي حول ضرورة تطوير ثلاث مجموعات متكاملة من المهارات.
المجموعة الأولى هي المهارات الفنية والتقنية؛ فلا يمكن للعاملين في الثقافة أن يظلوا بعيدين عن فهم الأدوات التي تعيد تشكيل قطاعهم. يحتاج الفنان والمصمم والكاتب والناشر وأمين المكتبة والمتحف إلى معرفة ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه، وكيف يمكن استخدامه في البحث والتصنيف والفهرسة والترجمة والإتاحة وتطوير تجربة الجمهور. وفي مؤسسات الذاكرة والثقافة، المعروفة اختصاراً بـ GLAM، وتشمل المعارض والمكتبات والأرشيفات والمتاحف، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في وصف المجموعات، وتحسين البحث داخلها، وربط المواد المتناثرة، وتقديم المحتوى بطرق تناسب احتياجات فئات مختلفة من الجمهور.
لكن إتقان الأداة لا يكفي، وهنا تأتي المجموعة الثانية: المهارات النقدية.
نحتاج إلى مستخدم لا يكتفي بجودة المخرج الظاهر، وإنما يسأل عما يقف خلفه: ما المصادر التي بُني عليها؟ ما الذي أضافه؟ وما الذي كرره؟ هل يقدم رؤية جديدة، أم يعيد تركيب الأنماط السائدة؟ وأي جزء من العمل يمكن تفويضه للآلة، وأي جزء ينبغي أن يبقى قراراً إنسانياً؟
خلال الجلسة، استُخدم مفهوم Smark، وهو مصطلح معروف في عالم المصارعة، لوصف المشاهد الذي يدرك أن ما يراه مُعدّ ومخطط، لكنه يستطيع الاستمتاع به وفي الوقت نفسه تحليله وفهم آليات إنتاجه. ويصلح هذا الوصف لفهم علاقتنا المطلوبة بالذكاء الاصطناعي. فالمستخدم ليس مضطراً إلى أن يصبح مهندساً متخصصاً حتى يتعامل مع التقنية، لكنه يحتاج إلى قدر كافٍ من المعرفة يمكّنه من الاستفادة منها من دون أن يفقد نظرته النقدية.
أما المجموعة الثالثة فهي الكفاءات الأخلاقية والقانونية، وتشمل الوعي بحقوق المؤلفين والفنانين، ومصادر بيانات التدريب للآلة، ونسب الأعمال إلى أصحابها، واحتمالات التحيز، وضرورة الإفصاح عن دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أو تفسيره.
ولا يمكن النظر إلى هذه القضايا باعتبارها تفاصيل قانونية تأتي بعد اكتمال المنتج؛ فهي جزء من سلامة العملية الإبداعية ومن الثقة التي تربط المؤسسة الثقافية بجمهورها.
المؤسسات الثقافية وسيط للوعي
مع انتشار المحتوى المولّد آلياً، ستزداد أهمية الدور الذي تؤديه المؤسسات الثقافية، باعتبارها وسيطاً يساعد المجتمع على فهم الحاضر، وليس بوصفها حارسة للماضي فقط.
فالمكتبات والمتاحف والمعارض والأرشيفات مؤسسات يتجاوز دورها أن تكون مجرد أماكن تعرض المحتوى؛ إلى تفسيره، ووضعه في سياقه، والكشف عن مصادره، وفتح المجال للنقاش حول قيمته ومعناه وطريقة إنتاجه.
وقد يصبح من مسؤوليات هذه المؤسسات مستقبلًا توضيح الفرق بين العمل البشري والعمل المولّد آلياً والعمل الناتج عن تعاون بين الإنسان والآلة، مع تطوير معايير للشفافية والتوثيق وحفظ الحقوق.
كما ينبغي ألا يقتصر التدريب على تعليم المبدعين كيفية كتابة الأوامر وتحسين المخرجات. التدريب الحقيقي يجب أن يساعدهم على بناء صوتهم الخاص، وفهم تاريخ مجالهم، وتقييم ما تنتجه التقنية، واتخاذ قرارات واعية بشأن ما يقبلونه وما يرفضونه.
أين تكمن البصمة الإنسانية؟
على هامش المنتدى، خضت تجربة تفاعلية حملت سؤالاً بسيطاً في صياغته وعميقاً في دلالته: "هل أعرف بصمتي الثقافية؟"
كانت التجربة تدعو المشارك إلى كشط عدد من الإجابات، واحدة تلو الأخرى، في محاولة لاكتشاف البعد الإنساني الأصيل فيما يقدمه وينتجه. يبدو هذا السؤال اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فإذا استطاعت الآلة أن تنتج نصاً جيد البناء، وأن تقلد الأساليب، وأن تنشئ صوراً وموسيقى وأفكاراً في ثوانٍ، فلن تكون قيمة المبدع مستقبلاً في قدرته على إنتاج المزيد من المحتوى فقط.
ستكمن قيمته في اختياراته، وفي السياق الذي يمنحه للعمل، وفي حساسيته تجاه مجتمعه، وفي تجربته وذاكرته وموقفه، وفي قدرته على معرفة ما يريد قوله، ولماذا يريد قوله، ولمن يتوجه به.
قد تستطيع الآلة كتابة قصة تحظى بإعجاب القراء، لكنها لا تعيش التجربة التي تحاول القصة التعبير عنها. تستطيع محاكاة الحزن أو الحنين أو الخوف داخل اللغة، لكنها لا تحمل ذاكرة شخصية ولا علاقة حقيقية بمكان أو مجتمع أو حدث.
وهذا لا يقلل من قدرتها بوصفها أداة، بقدر ما يحدد طبيعة الشراكة التي نحتاج إليها معها.
المستقبل لن يكون بالضرورة صراعاً بين مبدع بشري وآلة منتجة، وإنما اختباراً لقدرة الإنسان على استخدام التقنية من دون أن يسمح لها بأن توحّد الأصوات أو تضعف الحكم النقدي أو تفصل العمل عن سياقه وحقوق أصحابه.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الواقع الإبداعي، وأصبح تطوير التعليم والتدريب ضرورة لا خياراً. لكن الهدف ينبغي أن يكون بناء جيل يجمع بين القدرة التقنية، والمعرفة الثقافية، والتفكير النقدي، والخيال، والذائقة، والمسؤولية.
فالآلة قد تساعدنا على إنتاج قصة جيدة، لكن البصمة الإنسانية تبدأ من السؤال الذي يسبق الكتابة:
ما الذي نريد أن نقوله نحن، ولا يستطيع غيرنا أن يقوله بالطريقة نفسها؟
المراجع:
بين الإبداع والتقنية: تعليم الفنون والتصميم في عصر الذكاء الاصطناعي [جلسة حوارية]. (2026). المنتدى الإبداعي، النسخة السابعة: البصمة الإنسانية في الممارسات الثقافية المعاصرة
Sears, S., & Weisberg, D. S. (2026). Bot or not: Can people tell the difference between stories written by a human or by an AI system? Judgment and Decision Making, e21. https://doi.org/10.1017/jdm.2026.10042
Silman, A. (2026). AI has plunged the book publishing industry into utter chaos. The Wall Street Journal. https://www.wsj.com/arts-culture/books/generative-ai-book-publishing-be79a287
Doshi, A. R., & Hauser, O. P. (2024). Generative AI enhances individual creativity but reduces the collective diversity of novel content. Science Advances, 10(28). https://doi.org/10.1126/sciadv.adn5290