عقد من الثقافة
رائد العيد — 2026-05-05
مع إطلاق رؤية المملكة 2030 بدأ التعامل مع الثقافة كقطاع مستحدث، وأعيد تعريف الثقافة نفسها بحيث شملت مجالات لم تكن معهودة في المملكة. بعد عقد كامل على هذه البداية، نبحث في مدى تشكّل القطاع، أم أننا ما زلنا في طور التشكّل؟
مع إطلاق رؤية المملكة 2030 بدأ التعامل مع الثقافة كقطاع مستحدث، وأعيد تعريف الثقافة نفسها بحيث شملت مجالات لم تكن معهودة في المملكة. قبل ذلك، كانت الثقافة تُمارس في فضاءات محدودة، وتُدار في نطاقات ضيقة، وتُقرأ غالبًا بوصفها نشاطًا معرفيًا أو أدبيًا أكثر من كونها قطاعًا متكاملًا. كانت الأندية الأدبية، والمبادرات الفردية، والمجلات الثقافية، وبعض الأنشطة الثقافية الموسمية، هي الملامح الأكثر وضوحًا للمشهد، وهذا لا يعني التقليل من دورها المؤثر، لكنه بقي حضورًا محدود القدرة على التوسع أو التحول إلى صناعة.
مع إعلان الرؤية، بدأت الثقافة تتحرك من هامش العمل المؤسسي إلى مركزه. تأسست أولًا الهيئة العامة للثقافة في السادس من مايو 2016م في محاولة جادة لتجميع النشاط الثقافي داخل إطار إداري واضح، وبعد سنتين تطور هذا الإطار إلى وزارة متخصصة ومستقلة للثقافة في 2018، ثم تفرعت عنها هيئات قطاعية لكل مجال ثقافي تقريبًا في عام 2020م. أعاد هذا التحول تعريف طبيعة العمل الثقافي من نشاط فردي إلى قطاع، ومن اجتهادات متناثرة إلى منظومة، وحينها، انتقلت الثقافة من منطق المبادرة الفردية والحماس الشخصي، إلى منطق التخطيط والمشاريع المؤسسية والاعتماد على البرامج والميزانيات واللوائح، وبدأت تتشكل ملامح قطاع ثقافي يمكن قياسه، وتمويله، وتنظيمه.
واليوم، بعد مرور نحو عقد كامل على هذه البداية، نبحث في مدى تشكّل القطاع، أم أننا ما زلنا في طور التشكّل؟ وهل ما تحقق حتى الآن يمثل أثرًا متراكمًا، أم مجرد أنشطة متفرقة؟ وتأمل الخطى الحثيثة في مساراتها المختلفة.
عقد مضى وقطاع يحتاج قراءة مختلفة
بعد عشر سنوات تقريبًا من تأسيس البنية المؤسسية للثقافة، وبعد ستة تقارير عن الحالة الثقافية في المملكة من وزارة الثقافة، وعدد من التقارير السنوية التي تسرد أرقام الفعاليات وأعداد الحضور، وتستعرض المشاريع المنجزة، تظهر الحاجة إلى قراءة تتجاوزها، وتبحث عمّا لا تقوله، وتحاول تفسير التحولات بدل الاقتصار على المنجزات.
وسننطلق في قراءتنا للقطاع الثقافي السعودي بعد عقد من نشأته على إطار القدرة التنافسية القطاعية (Sector Competitiveness Framework) الذي طوّرته جهات دولية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، مع بعض الإضافات لكي يتواءم مع الثقافة، وسبب اختيارنا له أنه إطار يحاول فهم قدرة القطاع على الاستمرار والنمو والمنافسة، ولا يكتفي بقياس الأنشطة فيه، عبر خمس مكونات أساسية، هي الإنتاجية والابتكار وجودة الكفاءات وبيئة الأعمال وسهولة الدخول للسوق، وسنمضي في هذه القراءة بالاستناد إلى تقارير الحالة الثقافية الصادرة خلال السنوات الماضية، إضافة إلى مؤشرات رؤية المملكة 2030 وتقاريرها الدورية، وبالملاحظة الشخصية المتعمقة نتيجة الاحتكاك اليومي بهذا القطاع.
الإنتاجية: بين الكم والكيف
شهد القطاع الثقافي خلال العقد الماضي نموًا ملحوظًا في حجم النشاط، وارتفع عدد الفعاليات، وتزايدت المشاريع الثقافية، وتوسعت البنية التحتية، وظهرت مؤسسات جديدة في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية. يعكس هذا التوسع قدرة تشغيلية واضحة، ويؤكد أن القطاع أصبح قادرًا على إنتاج محتوى ونشاطات بوتيرة أعلى من أي وقت مضى.
إلا إن الإنتاجية لا تُقاس بعدد الفعاليات فقط، وإنما بقدرة هذه الفعاليات على توليد قيمة مستدامة، ولا يمكن اختزال الإنتاج الثقافي الحقيقي في كثرة المناسبات، والتغافل عن جودة المخرجات، واستمرارها، وتأثيرها خارج لحظتها الزمنية. ولهذا يكمن التحدي في تحسين نوعية الإنتاج الثقافي وليس في زيادته، وربط النشاط الثقافي بمسارات طويلة المدى، مثل بناء المعرفة، وتطوير الصناعات الثقافية، وتحقيق قيمة اقتصادية مستدامة، وما نلاحظه أن العمل على زيادة الحراك الثقافي خلال السنوات الأولى من تشكّل القطاع، وهو ما كان مفهومًا لرفع الوعي به، أصبح إلى حدٍّ ما عائقًا عن الانتقال إلى التجويد وصارفًا عن التفكير فيما وراء الكم.
الابتكار: بين المبادرة والتجريب
دخل الابتكار إلى الممارسات الثقافية خلال السنوات الأخيرة على استحياء؛ استجابة للمتطلبات الجماهيرية، فظهرت تجارب جديدة في تصميم الفعاليات، وفي تطوير المنتجات الثقافية، وفي استخدام التقنيات الرقمية، وفي توسيع نطاق التجربة الثقافية. أما على المستوى المؤسسي فقد بدأت الجهات الثقافية بتأصيل مفهوم الابتكار الثقافي مؤخرًا، عبر تأسيس إدارات متخصصة في الابتكار ضمن هياكلها التنظيمية، وأقامت العديد من الأنشطة الابتكارية مثل الهاكاثونات والمسرعات والتحديات التصميمية، إلا إن الابتكار الثقافي الحقيقي لا يقاس بحداثة الأفكار فقط، وإنما بقدرتها على التحول إلى ممارسة مستدامة. وإن أظهرت بعض التجارب الثقافية الجديدة قدرة واضحة على التجريب، لا يزال التحدي في القدرة على تحويل هذه التجارب إلى نماذج قابلة للتكرار والتوسع.
يمتلك القطاع الثقافي اليوم مساحات جيدة للتجريب، لكنه بحاجة إلى ترسيخ منهجية الابتكار الثقافي بوصفها عملية مستمرة، وليس مجرد مبادرات متفرقة، وهو بحاجة إلى حوكمة للابتكار الثقافي وتأصيل لمفارقاته المهمة في الحفاظ على القيم المتعارضة بداخله، وعدم الانسياق وراء أدبيات الابتكار العام ومحاولة تطبيقها على القطاع الثقافي وإغفال خصوصياته.
جودة الكفاءات: بين الرغبة والاحتياج
لا يمكن لأي قطاع أن ينمو دون كفاءات متخصصة. وخلال السنوات الماضية، بدأت تظهر برامج تدريبية متفرقة تحاول معالجة هذا الطلب، لكن الحاجة إلى الكفاءات الثقافية المؤهلة ما يزال أعلى من العرض، ومحاولة سد الاحتياج من خلال المؤهلين في المهارات العامة وإهمال أهمية الخبرات المتخصصة أفضى إلى ممارسات خاطئة تضر بالقطاع أكثر مما تفيده.
تأسيس جامعة الرياض للفنون بعد سنوات من تأسيس الوزارة هو محاولة لردم هذه الفجوة، وما يُنتظر منها ومن غيرها الكثير، فالقطاع الثقافي بسعة العاملين فيه وتنوع احتياجاتهم المعرفية أكبر من أن تغطيه جهة واحدة، ولا يقتصر التحدي فقط على عدد الكفاءات المؤهلة، وإنما يمتد إلى مساءلة عمق خبرتها، واستمرارية تطويرها، وقدرتها على الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
والعمل على تجويد الكفاءات الثقافية وتمكينها من الضرورات، لكيلا نتحول إلى ما وصفه أورباخ في كتابه عن "الواقع كما يصوره أدب الغرب" من وجود شخصيات تتألف بالكامل من ساحة أمامية (ويقصد بها الحاضر) لكنها تفتقد إلى ساحة خلفية (ماض)، في مقابل شخصيات تعيش في ساحة أمامية، لكنها تنغمس في ساحة خلفية هي التي صنعتها وحددت أسباب وجودها.
بيئة الأعمال: اتساع الفرص وتعدد المسارات
شهدت بيئة الأعمال الثقافية تحسنًا واضحًا خلال العقد الماضي، فقد ظهرت فرص استثمارية جديدة، وتزايد عدد الشركات الثقافية، وتنوعت نماذج التمويل، وبدأ القطاع الخاص يلعب دورًا أكثر حضورًا. لكن بيئة الأعمال الثقافية تحتاج إلى مزيد من الاستقرار التشريعي، ووضوح النماذج الاقتصادية، وتطوير آليات التمويل طويل الأمد. فالمشاريع الثقافية بطبيعتها بحاجة إلى أمدٍ طويل، ولا يمكن قياس نجاحها بمعايير الربحية السريعة فقط.
إضافة إلى ما سببه التوسع الكبير في بدايات القطاع من دخول شركات لا صلة لها به للاستفادة منه، وجاء هذا على حساب الاستثمار في تطوير جهات خاصة ومنظمات غير ربحية متخصصة تصبح رافدًا للقطاع الحكومي على المدى البعيد، ومع توسع القطاع غير الربحي في السنتين الأخيرة وتزايد عدد منظماته الثقافية إلى أضعاف ما كانت عليه، تشتد الحاجة إلى تمكين هذه المنظمات لتكون ذراعًا تنفيذيًا للمشاريع طويلة الأمد، شريطة أن تكون فاعلة في حد ذاتها، لا جسرًا إلى شركات خاصة لا تقدّم للقطاع بحجم ما تأخذ منه.
سهولة الدخول للسوق: من الاحتكار إلى التعدد
من أبرز التحولات التي شهدها القطاع، توسع فرص الدخول إلى السوق الثقافي. لم يعد المجال مقتصرًا على مؤسسات محددة، وأصبح متاحًا لمبادرات فردية وشركات ناشئة. إلا إن الإتاحة وحدها لا تكفي، فسهولة الدخول بحاجة إلى التكامل مع وضوح المسارات، وتوفير المعلومات، وتبسيط الإجراءات وشفافيتها. لا ينمو السوق الثقافي فقط بفتح الأبواب، دون تنظيم طرق العبور.
تمكين المنظمات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الثقافي استثمار طويل الأمد، وتفكير منظومي يقلل من مخاطر سيطرة الكبار، ويفتح الفرصة أمام الفاعلين الثقافيين إلى الإسهام به دون خشية الضياع بين الأقدام. إضافة إلى أن التمكين لا يقتصر على تعدد الخيارات، بقدر اعتماده على الإشراك الفعلي والاستثمار في العلاقة والمساهمة في بناء مختلف الأطراف بدل التخلي عنها بعد أول مشوار.
قياس الأثر الثقافي: ما الذي تغيّر في المجتمع؟
لكيلا ينحصر تحليل القطاع على القدرة التنافسية، ونغفل الجانب الأكثر أهمية في تحليل الفعل الثقافي، نضيف إلى الأبعاد الخمسة بعدًا سادسًا هو التأثير الإيجابي، من خلال الاستعانة جزئيًا بإطار تقييم الأثر الثقافي (Cultural Impact Framework) الذي اعتمدته جهات مثل اليونسكو والمفوضية الأوروبية كأداة لقياس أثر الثقافة على المجتمع والهوية، ويهمنا فيه المشاركة الثقافية واتساع الحضور، فقد شهدت السنوات الماضية توسعًا واضحًا في المشاركة الثقافية. ارتفع عدد الحضور في الفعاليات، وتنوعت الفئات المشاركة، وبدأت الثقافة تدخل حياة الناس اليومية. لكن المشاركة الثقافية لا تُقاس بالحضور فقط، ويلزمها الاستمرارية لصناعة الأثر؛ فالحضور المؤقت لا يصنع جمهورًا دائمًا ولا أثرًا عميقًا، بينما المشاركة المتكررة تصنع عادة ثقافية.
بالإضافة إلى التنوع الثقافي وتعدد الأصوات، فمن أبرز التحولات التي شهدها القطاع، اتساع التنوع الثقافي. ظهرت مجالات جديدة، وتعددت أشكال التعبير، واتسعت مساحة الظهور، وبقي السؤال: هي شمل هذا التنوع ظهور أصوات جديدة، واكتشاف مواهب فريدة، وإتاحة الفرص لأسماء حديثة؟ أم لا زلنا نكرر أنفسنا، ونعيد الأسماء ذاتها دون توازن بين الأجيال ولا تكامل بين الأصوات.
ما بعد العقد: إعادة التموضع
تأمل المشهد بعد مرور عقد كامل على تأسيس القطاع الثقافي يسمح لنا برؤية الإنجازات الوفيرة التي قدمها، والتأسيس الكبير الذي قادته وزارة الثقافة وبقية المؤسسات الحكومية، دون أن نغفل ما يمر به من تحديات، وما ينقصه من خدمات، فالسنوات تمضي ونحن نرى القطاع أحيانًا يعيد ممارسات البدايات، ما يؤكد الحاجة إلى مراجعات مفتوحة ومصارحات مكشوفة، وكل قطاع يصل إلى هذا العمر بحاجة إلى التوقف قليلًا، والنظر إلى نفسه بوضوح، بعيدًا عن مجاملات أهل القطاع، أو الرضا بالضجيج الذي يزول أسرع مما يبقى.
اليوم، لم يعد القطاع الثقافي ناشئًا بالمعنى التقليدي، ولم يعد من المناسب تبرير التحديات بذريعة حداثة التجربة. كما لم يعد كافيًا الاستناد إلى حجم الفعاليات، أو كثافة الحراك، بوصفهما دليلًا على النجاح. والمراجعة الجادة لا تعني التقليل من المنجز، وإنما احترامه وتحليل آثاره، بقراءة موضوعية ومقارنات مدروسة، لكي نمضي إلى العقد الثاني بأعمال أكثر استدامة، وبرامج أكثر ملامسة للاحتياج المجتمعي، ومشاريع ذات أثر ممتد ولا ترضى بالحضور اللحظي.