بناء مهارات القيادة الثقافية
د. مها حمود العطوي — 2026-05-13
لم تعد الثقافة اليوم نشاطاً يُقدَّم في قاعة عرض أو على خشبة مسرح ثم ينتهي أثره بانتهاء الحدث. أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ومكوّناً مؤثراً في الاقتصاد، وصورة الدول، وطريقة تفكير المجتمع. ومع هذا التحول، ظهرت الحاجة إلى نوع مختلف من العمل يقوم على القيادة الثقافية.
لم تعد الثقافة اليوم نشاطاً يُقدَّم في قاعة عرض أو على خشبة مسرح ثم ينتهي أثره بانتهاء الحدث. أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ومكوّناً مؤثراً في الاقتصاد، وصورة الدول، وطريقة تفكير المجتمع. ومع هذا التحول، لم يعد كافياً أن تُدار المؤسسات الثقافية بأساليب تقليدية، وظهرت الحاجة إلى نوع مختلف من العمل يقوم على القيادة الثقافية Cultural Leadership.
القيادة الثقافية، في جوهرها، هي القدرة على الربط بين الإبداع والإدارة، بين الحس الجمالي والفكر الاستراتيجي. هي قيادة تعرف كيف تحوّل الفكرة الفنية إلى مشروع ومنتج، وكيف تصنع من الثقافة قوة ناعمة قادرة على التأثير داخلياً وخارجياً. وهي أيضاً ممارسة تتطلب وعياً عميقاً بالسياق الاجتماعي، وقدرة على قراءة التحولات، واستشراف المستقبل.
لقد أدركت دول عديدة أهمية هذا النوع من القيادة، فبادرت إلى تطوير برامج متخصصة لإعداد قيادات ثقافية قادرة على مواجهة تحديات العصر. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يأتي برنامج كلور Clore Leadership Fellowship كنموذج رائد في إعداد قادة ثقافيين يمتلكون القدرة على التأثير في السياسات والممارسات الثقافية على حد سواء.
وفي الولايات المتحدة، نجد نماذج متعددة تجمع بين البعد الأكاديمي والتطبيقي، مثل برامج القيادة الفنية في الجامعات، أو الزمالات التنفيذية التي تستهدف القيادات العليا في المؤسسات الثقافية. تعكس هذه البرامج إدراكاً متزايداً بأن القيادة الثقافية أصبحت مسارًا مهنيًا يتطلب التدريب المستمر، والخبرة التراكمية، وفهم الجمهور، ومتابعة المستجدات، والقدرة على الابتكار. فبعض البرامج الأكاديمية، على سبيل المثال، تُبنى بطريقة مرنة تتيح للفنانين والعاملين في القطاع الثقافي تطوير رؤيتهم الشخصية، وفي الوقت نفسه اكتساب أدوات عملية تتعلق بريادة الأعمال الثقافية، وقيادة المؤسسات، والتعامل مع قضايا الفن في سياقه المعاصر، إضافة إلى ربط الدراسة بتجارب ميدانية حقيقية. وفي المقابل، تركز الزمالات التنفيذية مثل DeVos Institute Global Executive Arts Management Fellowship على القيادات المتقدمة، وهي زمالة دولية متقدمة مخصصة للقيادات التنفيذية العليا في مؤسسات الفنون والثقافة والتراث والإنسانيات، حيث تتيح لهم مراجعة تجاربهم بشكل نقدي، والعمل على تطوير استراتيجيات واقعية لمؤسساتهم، من خلال تدريب مكثف يشمل التخطيط، وبناء الموارد، والتسويق، والحوكمة، مع الاستفادة من الخبرات الدولية.
أما في أستراليا، فتتخذ القيادة الثقافية طابعاً مؤسسياً أوسع في بعض البرامج الثقافية، حيث تُطرح ضمن منظومات وطنية متكاملة تهدف إلى تطوير القطاع الإبداعي بكافة مكوناته. لا تقتصر الجهود هناك على إعداد الأفراد، وإنما تمتد إلى بناء بيئات داعمة، وتطوير الحوكمة، وتعزيز الاستدامة. وهو توجه يعكس ضرورة التمكين المستمر لهذا القطاع. ويتجلى ذلك في البرامج الوطنية مثل Creative Australia's leadership programs التي تسعى إلى تنمية القدرات عبر مختلف المراحل المهنية، من الفنانين الناشئين إلى القيادات وأعضاء مجالس الإدارة، من خلال مسارات متعددة تشمل مختبرات مفتوحة، وورش عمل متخصصة، ومنح تدريبية، وبرامج للحوكمة. كما تُصمم هذه المبادرات بطريقة مرنة تراعي اختلاف الاحتياجات والسياقات المحلية، وتتيح فرصاً أوسع للوصول والمشاركة. ولا يقتصر الهدف على تطوير المهارات الفردية، بل يمتد إلى دعم التنوع داخل القطاع، ورفع جاهزية العاملين فيه للتعامل مع التحديات الحالية والمتوقعة، والاستجابة لها، بما يحقق النمو المتوازن والمستدام للمشهد الثقافي.
وفي كندا، تقدم مراكز مثل بانف Banff تجربة مختلفة، تدمج بين القيادة والإبداع والحوار الثقافي، وتربط بين العمل الثقافي وقضايا أوسع مثل الاستدامة والعدالة الاجتماعية. وتتجسد هذه الرؤية في برامج قصيرة ومكثفة تُطرح على شكل وحدات تدريبية تستوعب تنوع العاملين في المجال الثقافي، من الفنانين والإداريين إلى صُنّاع السياسات والعاملين في المجتمعات المحلية. ما يميز هذه التجربة أنها تجمع بين تطوير الجانب الشخصي للقائد، وتعزيز قدرته على العمل داخل المؤسسة وخارجها في الوقت نفسه. فالمشاركون لا يكتفون بتعلّم أدوات العمل، وإنما يُدربون على التفكير في المستقبل، وقراءة التحولات، وبناء شراكات فعالة، والتعامل مع قضايا مثل الحوكمة والاستدامة والهوية الثقافية. كما تُبنى البرامج على مسارات متعددة تتيح التدرج في التعلم، بدءاً من استشراف المستقبل الثقافي، مروراً بتقييم الأداء واتخاذ القرار، وصولاً إلى إعادة التفكير في السياسات الثقافية وبناء مؤسسات قادرة على التكيف والاستمرار.
بينما في دول أفريقية، تأخذ القيادة الثقافية بعداً تنموياً واضحاً، حيث تُستخدم كأداة لتمكين المجتمعات، وبناء القدرات، وتعزيز المشاركة الثقافية. ففي زيمبابوي، على سبيل المثال، جاءت بعض البرامج استجابة لتحديات حقيقية تواجه المؤسسات الثقافية، خاصة فيما يتعلق بنقص الكفاءات القادرة على مواكبة تطور القطاع. ومن هنا صُممت مبادرات مثل u40 cultural leadership programme والتي تعمل كحاضنات مهارية، تستهدف الخريجين الشباب، وتمنحهم مسارات تدريب مرنة تُبنى وفق احتياجاتهم الفردية، وتستمر لفترات كافية لإحداث أثر ملموس في مسارهم المهني. وتعتمد هذه البرامج على التعلم من خلال الممارسة، والبحث، والعمل الجماعي، بحيث يواجه المشاركون مشكلات واقعية ويطوّرون حلولاً مرتبطة بالسياق المحلي. كما تجمع بين عدة محاور متكاملة، تشمل التدريب العملي داخل المؤسسات، والتوجيه والإرشاد، وتنمية مهارات صياغة السياسات الثقافية، إلى جانب دعم التوجه نحو ريادة الأعمال الإبداعية. ولا تخلو هذه التجارب من بُعد اجتماعي واضح.
وفي السياق العربي، بدأت ملامح هذا التوجه تتبلور بوضوح، كما في برامج الزمالة الثقافية في الإمارات، أو المبادرات التي تربط بين القيادة الثقافية والدبلوماسية الثقافية والاقتصاد الإبداعي. وهي مؤشرات على انتقال الثقافة من كونها نشاطاً داعماً إلى كونها قطاعاً استراتيجياً يسهم في التنمية الشاملة. ومن أبرز هذه النماذج برنامج الزمالة للتميز الثقافي Cultural Excellence Fellowship الذي يُقدَّم بالشراكة بين المجلس الثقافي البريطاني ومؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون، حيث صُمم البرنامج انطلاقا من قراءة دقيقة لاحتياجات القطاع الثقافي والإبداعي في دولة الإمارات. ويقوم على جمع المواهب الإماراتية الصاعدة مع قيادات ثقافية وخبراء من الإمارات والمملكة المتحدة، في بيئة تفاعلية تقوم على الإرشاد المهني، وتبادل الخبرات، والعمل المشترك. ولا يقتصر الهدف على التدريب قصير المدى، بل يتجه إلى بناء إطار مستدام لتطوير القيادات، يقوم على نقل الخبرة، وتعزيز المهارات، وتوسيع شبكات العلاقات المهنية داخل الدولة وخارجها.
إن أهمية القيادة الثقافية تتجلى في عدة مستويات. فهي أولاً تسهم في تعزيز الهوية الوطنية، من خلال تقديم سرديات ثقافية متجددة تعكس روح المجتمع وتحافظ على أصالته. وهي ثانياً تدعم الاقتصاد الإبداعي، عبر تحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية وفرص استثمارية. وهي ثالثاً تعزز الحضور الدولي للدول، من خلال ما يعرف بالقوة الناعمة، حيث تصبح الثقافة وسيلة للتواصل والتأثير.
لكن هذه القيادة لا يمكن أن تُختزل في المهارات الإدارية التقليدية. إنها تحتاج إلى مزيج من الحس الثقافي، والوعي الاجتماعي، والقدرة على الابتكار، والجرأة في اتخاذ القرار. كما تتطلب انفتاحاً على التجارب العالمية، مع الحفاظ على الخصوصية المحلية في تطبيقها أو الجمع بينها.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث تشهد الثقافة تحولات غير مسبوقة في ظل رؤية 2030، تبرز الحاجة إلى بناء جيل جديد من القادة الثقافيين القادرين على قيادة هذا الحراك، وتطويره، وضمان استدامته. فالمشروعات الثقافية الكبرى، والتوسع في البنية التحتية، وتنامي الاهتمام بالجمهور، كلها عوامل تستدعي وجود قيادات تمتلك رؤية واضحة، وقدرة على التنسيق بين مختلف الفاعلين.
في النهاية، يمكن القول إن القيادة الثقافية هي ذلك الجسر الذي يربط بين الإبداع والمجتمع، بين الأساس والمستقبل. وهي، قبل كل شيء، فعل إيمان بدور الثقافة في بناء الإنسان، وجودة الحياة.