الأجر والأثر: المعنى الغائب في الفعل الثقافي
د. بدور بنت محمد الفصَّام — 2026-06-29
ما الذي يبقى من الفعل الثقافي وما الذي يذهب؟ ما نبحث عنه وما ينتظرنا بعد أن ننتهي من الجهد.
في خضم مشروع ثقافي قائم، كثير الجهد، وطويل المدى، وقليل العائد، ومع ازدحام جداوله الزمنية المكتظَّة، ومؤشراته المتراكمة، ومواعيد تسليم مخرجاته وتقاريره، وتكرار الاجتماعات وتتاليها، ومع ما يصحبها من تغيُّرات مفاجئة، وتحديات مربكة، تستقر لحظة فارقة قد تغير مجرى الأمر، فتُحيي الهمَّة والشغف بشرارة نار، أو تُطفئهما بماء بارد. هذه اللحظة تأتي جوابًا لسؤال كامن في الداخل ينتظر أن يُبْعَث: لماذا نفعل كل هذا؟
في إحدى الاستضافات التي حظينا بها من الخبراء الزائرين، في برنامج ممارس الإدارة الثقافية، كان الأستاذ حمد الحميدان، مدير عام إدارة الفنون والصناعات الإبداعية في الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، متحدثًا عن تجربته المُلْهِمَة ورؤيته للعمل الثقافي في مدينة العُلا الساحرة: أرقام مليونية، ومشاريع طويلة الأثر، وأفكار إبداعية، وقدرات ومواهب تنتظر سنوات طويلة؛ كي يظهر نتاج جهدها على أرض الواقع. وحين طُلب من الحميدان كلمة أخيرة يُوجهها للممارسين الثقافيين، قال بإيجاز: "إن أردت أن تعرف قيمة ما تعمل، فلا تنسَ أن تبتغي الأجر أولًا، ثم تنظر إلى أثر ما عملت وتتلمَّس مواضعه."
هذه الجملة أعادت ترتيب المشهد كله، ولمعت في قلبي مثل نجمة، فعلى امتداد سنواتٍ من الانشغال بالشأن الثقافي، لم أذكر أني سمعت من يُذَكِّرُنا بالأجر والأثر بوصفهما دافعين أصيلين للعمل الثقافي، أو من ينظر إلى الفعل الثقافي نفسه بوصفه فعلًا مأجورًا يُؤمَّل ثوابه بإذن الله. سمعت كثيرًا عن غاياتٍ أخرى نبيلة، ومقاصدَ عظيمةٍ لا خلاف عليها، لكني لا أتذكر أن أحدهم ربط العمل الثقافي ببعده القيمي، وجوهره الإنساني، ورسالته الحقيقية.
ومنذ زمن، وأنا أؤمن بفكرة الأثر وقيمته، ولطالما شَغَلَنِي همُّ التغيير والتحسين؛ لأن لا شيء يبقى بعد أن تُطوى الملفات، وتُحصى الأرقام، وتُنجز المشروعات، إلا المعنى الحقيقي وراء العمل، وهو ما سنمنحه للآخرين، وما سنعطيه للعالم، وليس ما سنجده أو ما سنأخذه لأنفسنا فحسب، فالأجر في السماء، والأثر في الأرض، وبينهما مسافةٌ من نورٍ تتجاوز المنفعة الشخصية والعبور السريع، ولا تأبه بالوصول إلى منصبٍ ما، ولا يعنيها الحصول على عقودٍ جديدة، إنما تنظر إلى الغاية الكبرى: الأجر والأثر. وهما ثنائيةٌ قد نسيناها أو تناسيناها تحت وطأة الإيقاع السريع للحياة الحديثة، وطبيعتها التنافسية والاستهلاكية، التي تدفعنا إلى قياس كل شيء بما يحققه من مكاسب عاجلة، وعوائد سريعة.
أيقظت هذه الجملة الرهيفة معنًى قديمًا كنت أعرفه في أعماقي، وأضعه بين ناظري دائمًا، ثم غَيَّبَته ضوضاء الأعمال، وحجبه اللهاث المتواصل خلف النجاحات، وأعادني الأجر والأثر إلى وقود الرحلة في العمل، وإلى القيمة التي ينبغي ألَّا تغيب عن أي ممارسةٍ ثقافية، فالعمل الثقافي، على وجه الخصوص، ليس من الأعمال التي تكافئ أصحابها سريعًا، وليس من المجالات التي يمكن أن يُقاس أثرها بسهولةٍ في كثيرٍ من الأحيان. إنه عملٌ يشبه غرسَ شجرةٍ عتيقةٍ تنمو ببطء وتؤتي أكلها كل حين، لكن لا أحد يعرف من غرسها، ومن أسقاها، ومن رعاها، ولعلَّ في هذا الخفاء بعضًا من جوهر الفعل الثقافي وجماله، فهو لا يُبنى على الظهور ولا الشهرة، بقدر ما يقوم على الإيمان العميق بقيمة ما يُصنع وأثره.
وكثيرًا ما يكون أعظم ما يحققه العاملون في الثقافة والفنون، أنهم يُهيئون الفرص لنجاحاتٍ وأفكارٍ ومواهبَ ومبادراتٍ؛ لتزدهر وتنمو وتكبر، ثم يمضون بعيدًا دون أن يقفوا تحت أضواءِ احتفاليةِ المشهد، كما أن الممارس الثقافي يعمل غالبًا في منطقةٍ مُؤَجَّلةِ النتائج، فقد يصنع مبادرةً ليظهر أثرها بعد سنوات، أو يدير مشروعًا دون أن يُنْسَب إليه فضلٌ أو معروف، أو يدعم موهبةً أو يُمَكِّن قدرةً إبداعية، لا يسطع نجمها إلا بعد زمن، أو يستثمر في مشروعٍ ثقافي لا يمكن قياس قيمته بالأرقام وحدها، ولهذا فإن ما يمنحه الاستمرار هو ابتغاء الأجر والسعي لصناعة أثرٍ لا يُنْسَى.
وحين أقول: «ابتغاء الأجر»، فإنني أعني استحضار البعد القيمي للعمل الثقافي، والاحتفاء بثوابٍ باقٍ لا يضيع، وحسناتٍ جاريةٍ بعد أن تُطوى الوظائف والتكليفات، ثم التحرر من القلق الدائم حول الاعتراف والتقدير، فليس كل جميلٍ يُذكر، وليس كل جهدٍ يُنسب إلى صاحبه، وليس كل أثرٍ يُرى في حينه، لكن ما يخفى عن الناس لا يخفى عن رب الناس، فالفعل الثقافي في جوهره يدخل في صميم نشر المعرفة، وتعميق الوعي، وتوسيع المدارك، وتعزيز الجمال والتأمل والتعبير والترفيه، والإسهام في التعافي النفسي والاجتماعي، وخدمة الإنسان والمجتمع والوطن، وكلها غراسٌ ثمين وخيرٌ ممتد.
أما الأثر في الفعل الثقافي، فعلى خصوصية شكله ومعناه وطبيعته وحدوده، فإنه يظل الغاية التي تمنح العمل قيمته المُستدامة والفريدة، وإن كان في أحيانٍ كثيرةٍ لا يُرى ولا يُقاس، لكنه يتسلسل بهدوءٍ في القلوب والعقول، ويغوص في ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، ويعمل في المساحات العميقة من الوعي، ليُغير العالم، ويوقظ المعنى، ويهذب الذائقة، ويحرك الخيال. وهو أثرٌ يتشكل على مهل، ولا يفرض نفسه دفعةً واحدة، فقد يبدأ من معرضٍ يُزار، أو قصةٍ تُروى، أو حوارٍ يُدار، ثم يمتد إلى دوائر محليةٍ وعالمية، متسعة، وشاهقة، وعظيمة، لا يمكن التنبؤ بحدودها، وإحاطة تحولاتها، واستشراف مداها، وقطف ثمارها.
ولعلَّ أجمل ما في هذا التصور، أنه يُخَفِّف وطأة التحديات التي يواجهها الممارس الثقافي، حين يدرك أن جهده جزءٌ من رسالةٍ أسمى، ولوحةٍ أكبر، وأن أثره قد يصل إلى أشخاصٍ لا يعرفهم، وأزمانٍ لن يعيشها. فكم من فكرةٍ زُرعت في كتابٍ أو محاضرة، أو متحفٍ أو معرض، ثم وجدت طريقها إلى عقل إنسان، فغيرت حياته وأزهرت روحه. فالفعل الثقافي ليس ترفًا أو عملًا هامشيًا، لكنه ضرورةٌ حضارية، وجزءٌ أصيلٌ من بناء جودة الحياة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتنمية الإنسان ونمائه.
ولا يلزمنا أن نبحث طويلًا في مواطن الأجر وشواهد الأثر في العمل الثقافي، فهي أكثر من أن تُحصى، فالمكتبات العامة التي استقبلت آلاف القراء شاهد، وبرامج النشر والترجمة التي نقلت المعارف بين الثقافات شاهد، ومشروعات إحياء التراث وحفظه وتوثيقه شاهد، ومساحات صناعة الفنون والإبداع والإلهام شاهد، والمهرجانات الثقافية والمبادرات والفعاليات شاهد أيضًا. ويكفينا أن نتأمل ما صنعته الثقافة في السنوات الأخيرة في المملكة العربية السعودية في حياة الإنسان، حين أصبحت جزءًا من يومه ووعيه ووجدانه، وأَدَّت رسالتها الأعمق في الجودة والبناء والتمكين والرفعة من جهة، والسمو والإثراء والرحابة والنبل من جهةٍ أخرى.
نحن بحاجةٍ كبرى إلى استعادة هذه الثُّنائية العظيمة، حين يلتقي الإتقان المهني بالمقصد الأخلاقي، ويُرْجَى الأجر ويُصْنَع الأثر، وليس المقصود بذلك أن الممارسين الثقافيين خالون من هذه المعاني أو غافلون عنها، لكن النيات العظيمة، مهما كانت راسخة، قد تتوارى أحيانًا خلف زحام التفاصيل اليومية وتحدياتها، ولذا فإن احتساب الأجر، واستحضار قيمة الأثر، هو اهتداءٌ ببوصلةٍ دقيقةٍ في لحظةٍ كثُرت فيها الاتجاهات، وعودةٌ إلى قيمةٍ نبيلة، وتجديدٌ لمعنًى قديم، كاد أن يغيب خلف الضوضاء والعجلة والتراكمات، ومع هذه الثُّنائية الأصيلة تتجلَّى الممارسة الثقافية في رسالتها الأولى، ومعناها الأعمق، فتغدو فعلًا حضاريًا يتجاوز ضيق الفردانية والآنية، إلى رحابة عمارة الأرض وبناء الإنسان.