الإدارة الثقافيّة في العالم العربيّ: بناء الجسور بين الإبداع والهويّة
د. بلال الأرفه لي — 2025-01-15
إنّ إدارة الثقافة في العالم العربيّ ليست مهمّة إداريّة فحسب، بل هي فعل من أفعال المخيّلة؛ محاولة للتوفيق بين الإبداع والانتماء، ومنح شكل للحوار الحيّ بين التراث والحياة الحديثة.
إنّ إدارة الثقافة في العالم العربيّ ليست مهمّة إداريّة فحسب، بل هي فعل من أفعال المخيّلة؛ محاولة للتوفيق بين الإبداع والانتماء، ومنح شكل للحوار الحيّ بين التراث والحياة الحديثة. على مرّ السنين، وجدتُني أنتقل بين عوالم النشر والأوساط الأكاديميّة والسياسة الثقافيّة، وكثيرًا ما واجهت السؤال نفسه بأشكال مختلفة: كيف يمكننا الحفاظ على أصالة هويّتنا الثقافيّة، وفي الوقت ذاته نفتح مجالًا للابتكار؟ وقد تعلّمت أنّ الإجابة تكمن في بناء الجسور –بين المبدعين والمؤسّسات، وبين المحليّ والعالميّ، وبين ذاكرة الماضي ووعد المستقبل.
الإبداع والهويّة: دروس من ثقافة التكريم
وراء كلّ جائزة كبرى أو مبادرة ثقافيّة يكمن جهد لتحديد مفهوم التميّز ولصياغة معنى الإبداع في مجتمعاتنا. فالجوائز الأدبيّة والعلميّة التي تزدهر في أنحاء العالم العربيّ ليست مجرّد أوسمة شرفيّة؛ بل هي آليات تصوغ الذائقة، وتكافئ البحث، وتؤكّد القيم. إنّ الحضور الإقليميّ البارز لجوائز مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب، والجائزة العالميّة للرواية العربيّة، وجائزة الملك فيصل العالميّة يدلّ كيف يمكن أن يصبح التكريم ذاته أداة من أدوات السياسة الثقافيّة. ومن خلال تكريم الكتاب والمفكّرين والعلماء من مختلف أرجاء العالم العربيّ وخارجه، تغرس هذه الجوائز وعيًا جماعيًّا بأنّ الإبداع والمعرفة يشكّلان مكوّنين أساسيّين للهويّة.
من خلال عملية التحكيم والنقاش، يكتشف المرء أنّ الإبداع العربيّ لا يمكن حصره في أسلوب واحد أو في رقعة جغرافيّة محدّدة. فهو يتنوّع ليشمل إعادة تصوّر التاريخ والروايات الفلسفيّة وصولًا إلى التفاعل الجريء مع الحياة المعاصرة. وكلّ عمل يعبّر عن جانب من الهويّة العربيّة بوصفها فسيفساء حيّة وديناميكيّة. وتكمن أهمّيّة الجوائز الثقافيّة تحديدًا في هذه التعدّدية: فهي تؤكّد أنّ الهويّة ليست حالة جامدة، بل يعاد صياغتها باستمرار من خلال الإبداع وإنتاج المعرفة. ومن خلال الاحتفاء بهذا التنوّع، تبني هذه الجوائز جسورًا بين الخاصّ والكونيّ، وتظهر كيف تتحاور الأصوات العربيّة مع الأدب العالميّ والعلوم.
وعلاوة على ذلك، تغذّي ثقافة التكريم إحساسًا بالمسؤوليّة المشتركة. فعندما يدرك المبدعون أنّ أعمالهم تسهم في نهضة جماعيّة لا في إنجازٍ فرديٍّ معزول، يصبحون أكثر ميلًا إلى الابتكار الهادف. وهكذا تغدو الجوائز مختبرات للسياسة الثقافيّة تُجسَّد وتُختبَر فيها مبادئ الشموليّة والشفافيّة والتميّز. وهي تذكّرنا بأنّ إدارة الثقافة لا تشمل التمويل أو الأمور اللوجستيّة فحسب، بل تشمل كذلك تهيئة المناخ الأخلاقيّ والفكريّ الذي تزدهر فيه الأفكار.
المؤسّسات كوسيط بين السياسة والمجتمع
تعتمد كلّ سياسة ثقافيّة ناجحة على مؤسّسات قادرة على ترجمة الرؤية إلى تطبيق عمليّ. فالمؤسّسات ليست مجرّد هياكل بيروقراطيّة؛ بل هي فضاءات للوساطة تلتقي فيها أولويّات الدولة مع تطلّعات المجتمع. ومن واقع تجربتي مع المجالس الثقافيّة والمراكز اللغويّة، رأيت كم تكون هذه الوساطة مثمرة عندما تقوم على الحوار بدلًا من الإملاء. فاللجان التي تجمع بين الأكاديميّين والكتّاب وراسمي السياسات يمكن أن تعمل كعقل جمعيّ يوائم بين الأهداف الوطنيّة والواقع المعيش للمبدعين والمواطنين.
عندما تتّخذ المؤسّسات لنفسها دور الميسّر بدلًا من دور الرقيب، تكفّ الثقافة عن أن تكون مشروعًا فوقيًّا، وتصبح عمليّة تشاركيّة تقوم على الثقة والملكيّة المشتركة. وهذا ما يتجلّى في الاعتراف المتزايد عبر المنطقة بأنّ الثقافة جزء لا يتجزّأ من التنمية والهويّة الوطنيّة. وقد باتت السياسات في دول مثل المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة تدرج الثقافة على نحو متزايد جنبًا إلى جنب مع التعليم والاستدامة والابتكار. وهذا المنطق بسيط لكنّه عميق: الاستثمار في الثقافة يعني الاستثمار في الإمكانات البشريّة، وفي القوّة الناعمة، وفي التماسك الأخلاقيّ للمجتمع.
ولكي يكون هذا الاستثمار ذا معنى، يجب على الإدارة الثقافيّة أن تضمن بقاء المؤسّسات مرنة ومتجاوبة. عليها أن تصغي إلى نبض المجتمع –إلى هواجس الكتّاب، وتجارب الفنّانين، وحساسيّة الشباب المتغيّرة. ويجب عليها أيضًا أن ترسّخ مبادئ الشفافيّة والشموليّة، بحيث يشعر المجتمع الثقافيّ بأنّه ممثّل لا مدار. وحين تعمل المؤسّسات كجسور تصل بين السلطة والإبداع، فإنّها تصون التوازن الدقيق بين التراث والحرّيّة الذي يميّز أي ثقافة مزدهرة.
المهرجانات ومعارض الكتب: ثقافة اللقاء
إذا كانت المؤسّسات تمثّل الهيكل الذي تقوم عليه الحياة الثقافيّة، فإنّ المهرجانات ومعارض الكتب تمثّل روحها. وعند الدخول في أروقة هذه الفعاليّات النابضة بالحياة، تغدو الثقافة تجربة مشتركة حيّة. وقد تحوّلت معارض الكتب على وجه الخصوص إلى ساحات عامّة تتدفّق فيها الأفكار بحرّيّة، وتلتقي فيها العائلات والكتّاب والقرّاء على قدم المساواة. إنّ مشهد طفل يقلّب صفحات كتاب في أحد المعارض يجسّد جوهر ما تصبو إليه الإدارة الثقافيّة: أن تكون المعرفة متاحة وملموسة ومبهجة.
على مدى العقدين الأخيرين، تحوّلت معارض الكتب العربيّة –من بيروت إلى أبو ظبي– من أسواق متواضعة إلى مهرجانات حيويّة للأفكار. وباتت تشمل الآن محاضرات وعروضًا فنّيّة ومبادرات للترجمة وشراكات بين الثقافات. إنّها تجسّد فكرة الحوار الثقافيّ التي تحتاجها منطقتنا: حيث تتعايش قراءات الشعر الكلاسيكيّ مع جلسات السرد الرقميّ، ويجتمع المفكّرون المرموقون جنبًا إلى جنب مع الكتّاب الناشئين. ومن خلال الجمع بين توقير التقاليد والفضول إزاء الجديد، تُظهر هذه الفعاليّات كيف يمكن للثقافة أن تجدّد نفسها دون قطيعة.
فعلى سبيل المثال، جعل معرض أبو ظبي الدوليّ للكتاب الحوار مبدأه الأساسيّ، حيث يخصّص في كلّ عام بلدًا ضيفًا أو محورًا موضوعيًّا يدعو الزوّار إلى استكشاف ثقافة أخرى عبر الأدب والفنّ. مثل هذه البادرات المضيافة تعكس هويّة واثقة من نفسها، ترحّب بالتبادل الثقافيّ بدلًا من أن تهابه. وفي بيروت، يواصل أقدم معرض للكتاب في العالم العربيّ تجسيد الصمود، مقدّمًا منصّة للنقاش المفتوح حتّى في أوقات عدم اليقين. في تلك القاعات النابضة بالحياة، تنطلق حوارات بين الأجيال: يتحدّى الكتّاب الشباب الأصوات الراسخة، ويطالب القرّاء بمساءلة النخب الثقافيّة. وتكشف حيويّة مثل هذه اللقاءات أنّ إدارة الثقافة تتعلّق في جوهرها بإدارة فضاءات اللقاء –أي الفضاءات التي يمكن للمجتمع فيها أن يفكّر ويجادل ويتخيّل معًا.
التحدّيات والآفاق
مع دخول العالم العربيّ عصرًا جديدًا من التحوّل الرقميّ، تواجه الإدارة الثقافيّة تحدّيات وفرصًا غير مسبوقة. وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: كيف يمكن التأقلم مع منظومات الاتّصال الجديدة من دون أن نفقد عمق الإنتاج الثقافيّ وأصالته؟ لقد أدّى صعود وسائل التواصل الاجتماعيّ والذكاء الاصطناعيّ إلى إتاحة التعبير للجميع، لكنّه أيضًا شتّت الانتباه وقوّض المؤسّسات التقليديّة للتعليم والنشر. لذلك يجب على القائمين على الإدارة الثقافيّة تطوير استراتيجيّات تسخّر التكنولوجيا مع الحفاظ على الصرامة الفكريّة والجودة الجماليّة.
ويكمن تحدّ آخر في ضمان استدامة المشاريع الثقافيّة. فكثيرًا ما تخبو المبادرات الواعدة بانتهاء دورة التمويل أو فترة القيادة. وما نحتاج إليه هو أطر طويلة الأمد –مثل الأوقاف والشراكات بين القطاعين العامّ والخاصّ ونماذج الحوكمة الشفافة– تكون قادرة على دعم الإبداع بمعزل عن التقلّبات السياسيّة والاقتصاديّة. ويتطلّب بناء هذه البنية التحتيّة شجاعة ومخيّلة: الشجاعة لإعطاء الثقافة الأولويّة في الموازنات العامّة، والمخيّلة لربط الإنتاج الثقافيّ بقطاعات أوسع مثل السياحة والتعليم والابتكار.
ولا تقلّ أهمّيّة عن ذلك مهمّة رعاية الجيل القادم. فشباب العالم العربيّ لا يشكّلون أكبر شريحة سكّانيّة فحسب، بل هم أيضًا الأكثر اتّصالًا بالعالم. إنّهم يعيدون تفسير الهويّة عبر السينما والتصميم والألعاب الإلكترونيّة والفنّ الرقميّ. ولإشراكهم، ينبغي للسياسة الثقافيّة أن تتجاوز مجرّد الحنين إلى الماضي وأن تخاطبهم بلغة عالمهم: لغة بصريّة، تفاعليّة، عابرة للحدود. ودعم إبداع الشباب يعني تقديم الإرشاد والمنصّات ومنح حرّيّة التجريب، ويعني أيضًا الوثوق بقدرتهم على إعادة تعريف ما يمكن أن تؤؤول إليه الثقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين.
ومع ذلك، فإنّ التفاؤل في محلّه. فعبر المنطقة، نرى إرادة سياسيّة متجدّدة للاستثمار في الثقافة بوصفها خيرًا اجتماعيًّا ومحرّكًا اقتصاديًّا في آنٍ معًا. وصناعات الثقافة والإبداع –مثل النشر والسينما والأزياء والتصميم والموسيقى– تبرز كقطاعات واعدة تولّد فرص عمل وتعزّز الابتكار. إنّ الرصيد التاريخيّ العميق للأفكار والجماليّات في العالم العربيّ يوفّر أساسًا فريدًا لهذه الصناعات. والتحدّي أمامنا هو أن نحشد ذلك الإرث بروح إبداعيّة، ليس بوصفه مجرّد قطعة متحفيّة وإنّما كمورد حيّ.
رؤية للمستقبل
إنّ الهدف الأسمى لإدارة الثقافة ليس مجرّد الحفاظ على التراث لمجرّد الحفاظ عليه، بل تجديدُه –أي عمليّة نشطة لتحويل المعاني الموروثة إلى ما يتوافق مع العصر الحاضر. ولتحقيق ذلك، يجب أن تنمّي المجتمعات العربيّة ما يمكن أن نسمّيه «البصيرة الثقافيّة»: القدرة على استشراف الاحتياجات المستقبليّة مع البقاء وفيّة للقيم الأساسيّة. وهذا يعني الاستثمار في التعليم الثقافيّ، ودعم البحث في العلوم الإنسانيّة، ودمج الثقافة في كلّ جانب من جوانب الحياة العامّة. كما يتطلّب تعاونًا عابرًا للحدود بين البلدان العربيّة. فالمبادرات المشتركة في الترجمة والرقمنة وصون التراث الثقافيّ يمكن أن تضاعف أثر الجهود الوطنيّة وتبرز حضورًا عربيًّا موحّدًا على الساحة العالميّة.
وفي خضم كلّ ذلك، يبقى البُعد الإنسانيّ محوريًّا؛ فإدارة الثقافة تخدم الناس في نهاية المطاف: القرّاء الذين يكتشفون لغتهم من جديد، والفنّانين الذين يتحدّون المألوف، والباحثين الذين يتتبّعون تواريخ منسيّة. وعندما تدار الثقافة بحكمة، فإنّها تمكّن المواطنين من تخيّل مصيرهم الجماعيّ ورؤية أنفسهم مشاركين في قصّة مشتركة بدلًا من مستهلكين معزولين لاتّجاهات مستوردة. كثيرًا ما أستحضر صورة ذلك الطفل في معرض الكتاب، عيناه مفتوحتان على اتّساعهما وأصابعه تقلّب صفحات عالم جديد، ففي تلك اللحظة يبدأ مستقبل الثقافة العربيّة. وهي تذكير بأنّ مهمّة الإدارة الثقافيّة لا تقتصر على الحفظ أو الترويج، بل تشمل الإلهام. إذا نجحنا في منح الجيل القادم جذورًا وأجنحة معًا –إحساسًا راسخًا بالهويّة وحرّيّة للإبداع– فسوف نكون بذلك قد شيّدنا أمتن الجسور على الإطلاق: جسرًا يربط بين ما كنّا عليه في الأمس، وما نحن عليه اليوم، وما نصبو إليه في غدنا.