ما بعد 2034: إرثٌ من حجر أم ذاكرةٌ من حضارة؟
أسامة العمري — 2026-03-15
الأحداث الكبرى تصنع لحظة. أما الحضارات فتصنع ذاكرة. والقرار الذي سيُتخذ في هذا العقد سيحدد كيف سيُروى تاريخ المملكة في القرن القادم.
في صيف 2025، اجتمع أكثر من 1.4 مليون زائر في Calgary Stampede أحد أكبر المهرجانات التراثية في العالم، وعلى مدى عشرة أيام، تتحول مدينة (كالغاري) إلى احتفال شامل بثقافة الغرب الكندي، غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في ضخامته، إنما في استمراريته: فقد بدأ عام 1912 بوصفه معرضًا زراعيًا متواضعًا، لكنه لا يزال، بعد أكثر من قرن، يولّد مئات الملايين سنوياً لاقتصاد مقاطعة (ألبرتا).
على بُعد دقائق، يستقبل Heritage Park، أكبر متحف تاريخي حي في كندا، زواره بتجربة مختلفة تماماً، عبر تجاوز العرض المؤقت إلى إعادة إحياء مستمرة للذاكرة، وهنا يظهر الفرق الجوهري بين نوعين من الاستثمار العام، هما الحدث الجاذب للانتباه، والمؤسسة الثقافية التي تحتفظ به وتعيد إنتاجه عبر الزمن.
هذا الدرس لا يخص كندا وحدها، إنه نموذج عالمي لكيفية انتقال الاقتصادات المعتمدة على الموارد أو الأحداث إلى اقتصادات قائمة على الثقافة والمعرفة.
116 مليون زائر - فرصة تاريخية
في عام 2024، استقبلت المملكة العربية السعودية نحو 116 مليون زائر محلي ودولي، مدفوعة بالعمرة والسياحة الدينية، إضافة إلى النمو السريع في السياحة الترفيهية والثقافية، وهذا الرقم يمثل إنجازاً سياحياً يعكس تحولاً جذرياً في موقع المملكة على خريطة الحركة العالمي، غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن الزخم السياحي - مهما كان قوياً - قد يتراجع إذا لم يُدعَم بمؤسسات ثقافية دائمة تعيد تقديم التجربة وتمنح الزائر سبباً للعودة؛ فالسياحة المستدامة لا تقوم على التدفق لمرة واحدة، وإنما على التكرار.
تشير بيانات Statistics Canada (2023) إلى أن القطاع الثقافي الكندي يسهم بعشرات المليارات سنوياً في الاقتصاد الوطني، بعد عقود من الاستثمار المتدرج. لم يكن هذا التحول نتيجة مهرجان أو حدث واحد، إنما نتيجة بناء منظومة ثقافية متكاملة.
من هندسة الحجر إلى زراعة الذاكرة
أثبتت المملكة قدرة استثنائية على تنفيذ مشاريع بنية تحتية عملاقة بسرعة وكفاءة، من المدن الجديدة إلى الملاعب والمنشآت العالمية، لكن التحدي الأعمق لما بعد الأحداث الكبرى لا يتعلق بالبناء، إنما بالمعنى.
تُصمَّم الملاعب لاستيعاب الجماهير في لحظة محددة، بينما المؤسسات الثقافية تُصمَّم لاستيعاب الزمن ذاته. الأحداث الكبرى ومضات باهرة؛ تأثيرها واسع لكنه مؤقت، بعد المباراة النهائية، يغادر الزائر، ما يجعله يعود هو وجود قصة لم تُروَ بالكامل، وتجربة يمكن تعميقها، وذاكرة يمكن إعادة اكتشافها، بكلمات مباشرة: تصنع البنية التحتية القدرة، أما الثقافة فتصنع الدافع.
دروس المدن الأولمبية
تُظهر تجارب المدن التي استضافت أحداثاً عالمية أن الإرث الحقيقي يتحدد بما يحدث بعد انتهاء الحدث:
برشلونة 1992 - نموذج التحول الحضري والثقافي: استثمرت المدينة في برنامج ثقافي طويل الأمد، فتحولت إلى واحدة من أهم الوجهات العالمية بعد الألعاب، وليس خلالها فقط.
أثينا 2004 - تحذير مكلف: أنشأت منشآت رياضية ضخمة دون خطة تشغيل مستدامة، فتحولت أجزاء منها إلى مواقع شبه مهجورة خلال سنوات قليلة.
فانكوفر 2010 - الاستدامة التدريجية: بدأت الاستثمار في المؤسسات الثقافية قبل الألعاب بسنوات، ما أسهم في نمو السياحة الثقافية بشكل ملحوظ خلال العقد التالي.
قطر 2022 - النموذج الإقليمي الأقرب: افتتاح متاحف كبرى قبل البطولة منح الدولة وجهات دائمة تتجاوز الحدث الرياضي نفسه.
والدرس المشترك: لا يُقاس النجاح بحجم الحدث، لكن بقدرة الدولة على تحويله إلى بنية ثقافية مستدامة.
وإذا كانت هذه الدروس عالمية، فإن السياق السعودي يمنحها بعداً مختلفاً تماماً، فالمملكة لا تبدأ من الصفر، لأنها تمتلك عناصر قوة يصعب اجتماعها في دولة واحدة: عمق حضاري يمتد لآلاف السنين، ومركزية دينية عالمية، واقتصاد قادر على الاستثمار طويل الأمد، ومشاريع حضرية وثقافية عملاقة قيد التنفيذ، وسوق سياحي في نمو متسارع.
تُظهر مشاريع مثل العلا والدرعية كيف يمكن للاستثمار الثقافي أن يعيد تعريف المكان نفسه، لا مجرد تحسينه. هذه المشاريع تمثل نواة لمنظومة أوسع يمكن أن تربط بين التراث والتجربة المعاصرة والاقتصاد الإبداعي.
ثلاثة محاور ثقافية أيقونية لما بعد 2034
إذا كانت البنية التحتية الرياضية ستستقبل ملايين الزوار في 2034، فإن المؤسسات الثقافية القادرة على استدامة هذا الزخم ينبغي أن تعكس تنوع التجربة السعودية لا أن تكرر موضوعاً واحداً. ومن بين الأفكار القادرة على تحقيق هذا التوازن:
متحف مستقبل كرة القدم -- الرياض
ليس متحفاً تقليدياً لتاريخ اللعبة، وإنما مركزاً عالمياً يربط الرياضة بالتقنية والابتكار والاقتصاد الإبداعي، يمكن أن يقدم تجارب غامرة حول مستقبل الرياضة والذكاء الاصطناعي والتحليل البياني وثقافة الجماهير، ليجعل الرياض وجهة دائمة لعشاق كرة القدم بعد البطولة.
متحف بوابة الحضارات إلى الحرمين -- جدة
نعم، جدة مدينة ساحلية، ولكنها عبر قرون كانت البوابة الرئيسية إلى مكة المكرمة ونقطة التقاء للحجاج والتجار والثقافات بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، متحف عالمي يروي قصة الرحلة إلى الحرمين عبر البحر والبر، وتاريخ الموانئ والتبادل الحضاري والتنوع الثقافي، يمكن أن يحول جدة إلى وجهة فريدة لا نظير لها في العالم الإسلامي، ويكمل الدور الذي تلعبه جدة التاريخية كموقع تراث عالمي.
متحف التراث البحري والتجارة -- الدمام
شكّلت المنطقة الشرقية عبر تاريخها صلة الوصل بين الخليج العربي وشبه الجزيرة والهند وبلاد فارس. متحف متخصص في الملاحة والتجارة البحرية واقتصاد اللؤلؤ والتحولات النفطية يمكن أن يعيد تقديم قصة الخليج بوصفه فضاءً حضارياً واقتصادياً متصلاً بالعالم.
تعكس هذه المحاور الثلاثة تنوع الهوية السعودية: المستقبل، والعمق الروحي، والبعد البحري التجاري.
عامل الزمن
بناء مؤسسة ثقافية عالمية المستوى، من الفكرة إلى التشغيل الكامل، يستغرق عادة بين سبع وعشر سنوات، تشمل التخطيط والتصميم والبناء وتطوير المحتوى والتجريب التشغيلي، وغالباً ما تصبح كلفة التشغيل على المدى الطويل العامل الحاسم في نجاح المؤسسة، لا كلفة البناء وحدها. بمعنى آخر، القرارات التي تُتخذ في هذا العقد ستحدد شكل الإرث الثقافي لما بعد 2034، فالزمن هنا عنصر استراتيجي وليس مجرد عامل إداري.
ماذا نريد أن يقول العالم بعد 2034؟
كل دولة تواجه في مرحلة ما سؤال الهوية الدولية: هل تُعرَف بما تنتجه اقتصادياً فقط، أم بما تمثّله حضارياً أيضاً؟
اختارت دول عديدة تحويل نجاحها الاقتصادي إلى حضور ثقافي عالمي طويل الأمد عبر الاستثمار في مؤسسات تحفظ الذاكرة وتعيد تقديمها للأجيال الجديدة. هذا التحول يحدث عبر رؤية واضحة وصبر استثماري طويل.
المملكة اليوم أمام فرصة نادرة: أن تتحول من مركز للأحداث الكبرى إلى مرجع حضاري عالمي، مستفيدة من تاريخها وموقعها وثقلها الروحي والاقتصادي، ومن زخم رؤية 2030 الذي أعاد تعريف صورتها الدولية.
الإرث الذي يبقى
لا يتذكر التاريخ حجم المنشآت بقدر ما يتذكر المعنى الذي حملته، بعد عقود من أي حدث عالمي، لا تبقى صور المدرجات بقدر ما تبقى القصص التي رُويت حوله.
حين يقف زائر مستقبلي في مؤسسة ثقافية سعودية تروي تاريخ الجزيرة العربية أو مسار التحول الوطني في القرن الحادي والعشرين، لن يسأل عن عدد المقاعد في ملعب نهائي سيتذكر التجربة التي شكّلت فهمه للمكان.
الأحداث الكبرى تصنع لحظة. أما الحضارات فتصنع ذاكرة. والقرار الذي سيُتخذ في هذا العقد سيحدد كيف سيُروى تاريخ المملكة في القرن القادم.