القصة أولاً.. كيف تقود المتاحف مستقبل السياحة الثقافية في السعودية؟
عبدالله الفارس — 2026-03-15
لم يَعد المتحف مخزنًا لقطع قديمة، إنما فضاء سرديٌّ يُعيد صياغة الماضي بلغة يفهمها الجميع، ومساحة يتقاطع فيها المحلي مع العالمي: يدخل الزائر المحليّ ليبحث عن جذوره، ويدخل الزائر الأجنبي ليكتشف معنى المكان.
حين خلق الله الناس، وجعلهم شعوبًا وقبائل يتّخذون من بقاع الأرض أوطانًا، تاركين في كل بقعة أثرًا معلومًا أو مجهولًا؛ كان السَّفَر مشقّةً، والاتصال بالآخر عسيرًا. ولم تكن أغراض السفر ترفًا إنما قسر؛ ما بين السعي وراء سبل الكسب والعلاج والهرب. لكن، ماذا إنْ كانت الطائرة وسيلة مُتاحة لابن زيدون؟ هل تراهُ يُغادر قرطبة على جناحٍ من فولاذ، يعبر البحر والجبال، ليَهبط في ظرف ساعات على أرض فارس؟ لا أدري كيف استدعتْه ذاكرتي في هذه اللحظة؛ ربما لأني استذكرتُ بيته:
فلَوْ أسطيعُ طِرتُ إليكِ شوقًا.. وكيف يَطيرُ مقصوصُ الجَناحِ
أو ربما لأن الزمن يربط بين البشر عبر خيط واحد: الرغبة في معرفة الآخر، وقُدرة الوصول إليه.
ولو كان ابن زيدون بيننا اليوم، لربما اندهش من الطائرة، أقلّ من اندهاشه من الطريقة التي أصبح العالم يقرأ بها تاريخَه في المتاحف. لم يَعد المتحف مخزنًا لقطع قديمة، إنما فضاء سرديٌّ يُعيد صياغة الماضي بلغة يفهمها الجميع، ومساحة يتقاطع فيها المحلي مع العالمي: يدخل الزائر المحليّ ليبحث عن جذوره، ويدخل الزائر الأجنبي ليكتشف معنى المكان.
تُشير تقارير منظمة السياحة العالمية، إلى أن ما يقارب ٤٠٪ من الرحلات الدولية، تتضمن إنفاقًا ثقافيًا، مما يجعل المتاحف عنصرًا محوريًا في جاذبية المدن الحديثة. ويشير تقرير اليونيسكو عام ٢٠٢٣ إلى أن ٤٠٪ من عوائد السياحة تعود إلى السياحة الثقافية. وترى اليونسكو أن حماية التراث وتقديمه بأسلوب مُعاصر ليس مجرد مَهمَّة ثقافية، بل أداة لتحسين جودة الحياة وتنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص وظيفية. وهذا ما يُفسّر كيف استطاعت مدنٌ مثل باريس وطوكيو ونيويورك وبكين ولندن، أن تبني قوتها الناعمة حول متاحف مُصمَّمة بعمق ودِقَّة.
إن اللوفر على سبيل المثال ليس متحفًا فحسب، بل وجهةً تستقبل ملايين الزوار سنويًا، وتخلق آلاف الوظائف، وتُسهم بمئات الملايين من الدولارات في اقتصاد المدينة. ومدينة بِلباو الإسبانية تحوَّلت من مدينة صناعية مغمورة إلى وجهة عالمية بفضل متحف واحد أعاد تعريف هُويّتها بالكامل. وفي الدوحة، أصبح متحف الفن الإسلامي علامةً للمدينة وصورتها الدولية، ومكاناً جاذبًا لزُوَّار يبحثون عن قصة الفن الإسلامي في قالب معماري مُعاصر. هذه النماذج الدولية تُوضّح أن المتحف الناجح لا يعتمد على "ما يعرضه" فقط، بل على كيفية عرضه، وعلى القصة التي يُقدِّمها، وعلى الطريقة التي يربط بها الإنسان بالمكان.
أهمية السرد القصصي في المتاحف
هنا تبرز أهمية السرد القصصي في المتاحف. فالقصة تمنح القطعة معناها، وتجعل الزائر -محليًا كان أو أجنبيًا- يشعر بأن ما يراه ليس مجرد ماضٍ معروض، بل حياة تُروى. وفي دراسات المتاحف يشير الباحثون إلى ضرورة وجود "تصميم للسرد" (Narrative Design)، وهو ببساطة الطريقة التي تُرتَّبُ بها المعروضات لتقود الزائر من لحظة دهشة إلى لحظة فهم، ثم إلى لحظة ارتباط. كما أن "تجربة الزائر" (Visitor Experience) لا تتشكل من القِطَع وحدها، بل من الطريقة التي تُفسَّر بها ضمن إطار بسيط وذكي (Interpretive Framework) يُساعده على فهم الزمن والمكان دون جهد.
السرد القصصي في السياق السعودي
في السياق السعودي، تبرز أهمية السرد القصصي بنحوٍ خاص، لأن قصص المكان هنا غنية ومتشعّبة: قصص المدن التي تغيّرت ملامحها خلال عقود، قصص الصحراء وقوافل التجارة والحج، قصص المجتمعات الساحلية، وقصص التحوّل الثقافي الذي يعيشه الناس اليوم. إذا صيغت مثل هذه القصص بطريقة جذابة، فإنها قادرة على تحويل المتحف إلى منصّة لفهم الذات الوطنية من الداخل، وإلى جسر للتعريف بالمملكة عالميًا من خلال تجربة إنسانية قبل أن تكون معرفية.
والسعودية تمتلك اليوم مادة ثقافية هائلة، لكنها بحاجة إلى تحويلها إلى تجارب متحفية مبتكرة، خاصة أننا نشهد حراكًا مُبشّرًا من إطلاقات وإعلانات لمتاحف نوعيّة، بجانب المتاحف الموجودة سلفًا من مؤسسات حكومية أو متاحف خاصة بأفراد؛ منها متحف ثقافات العالم، ومتحف الملك سلمان، ومتحف المجتمع السعودي، ومتحف آسان، ومتحف الدرعية لفنون المستقبل، وغيرها.
أفكار لمتاحف نوعية في المملكة
ومن المهم قبل التفكير في مواقع المتاحف، التفكير كذلك في نوع السردية التي تستحقُّ أن تُروى. ولعلي أنتهز الفرصة عبر هذه المقالة، إلى اقتراح أفكار قد لا توجد لها متاحف مُماثلة في المملكة، ويمكن أن تكون إضافة نوعية لمنظومة المتاحف الوطنية:
١) المتاحف التي تحكي قصصًا إنسانية وبطولية: مثل متحف يوثّق فترة غزو العراق للكويت، وكيف تفاعل المجتمع السعودي، أو متحف يروي قصة مواجهة الإرهاب والتحولات الاجتماعية التي رافقت تلك المرحلة.
٢) المتاحف التي تُعنى بالثقافة الإسلامية بعمق سردي: متاحف تحكي قصص الحج وطرقه وتجاربه، وتاريخ المدن المقدسة، وعمارة المساجد، والمسارات التي ربطت العالم الإسلامي على مدى ألف عام.
٣) المتاحف التي تروي قصة الصحراء والبدو: أن توثق حياة البدو، والإبل، والضيافة، والنجوم، والماء، والرحلات الاستكشافية، والرحّالة الذين عبروا الجزيرة ووثقوا ذلك بالصور والمذكرات؛ كل ذلك يمكن أن يتحول إلى تجربة غامرة يتفاعل معها الزائر من جميع الثقافات.
٤) متاحف المدن القديمة: لكُلِّ مدينة كبيرة أو صغيرة قِصَّةٌ فريدة تستحق أن تُروى: عمارة البيوت، الحِرَف، الاقتصاد القديم، الأسواق، المجتمع المدني، التحولات العمرانية. هذه المتاحف الصغيرة تحفظ هُوية المكان، وتُقدّم للزائر المحلي والأجنبي قصة المدينة كما عاشها أهلها.
الأثر الاقتصادي والسياحي
حين تُبنى مثل هذه المتاحف على سردية جاذبة وتقنيات عرض حديثة، يُمكن أن تتحوَّل إلى وجهات سياحية خاصة بالسعودية، ليس لها مثيل في المنطقة، وتُضيف تنوعًا مهمًّا لأصول القطاع الثقافي. كما أنها تحقق أثرًا اقتصاديًا واسعًا؛ فبحسب دراسات اقتصاديات المتاحف، فإن كلَّ متحف كبير قادرٌ على خلق دائرة اقتصادية تمتد من الفنادق والمطاعم والنقل إلى المحال والهدايا والحرفيين؛ كما ترفع من جاذبية المدينة، لأن المتحف الجيد يجعل المكان "أكثر قابلية للزيارة"، ما ينعكس مباشرة على القطاع السياحي.
خلاصة
خلاصة حديثي، أن المستقبل المتحفي في السعودية لا يُبنى على الحجر والزجاج فقط، بل على الرواية. الرواية التي تقول للعالم: هذه قصتنا، وهذه هُويّتنا، وهذه رحلتنا. ومتى امتلك المتحف قصة محلية أصيلة وجاذبة (authentic)، ورؤية تصميمية واعية، وتجربة زائر مدروسة، أصبح قادرًا على أن يكون ليس مجرد منصة للماضي، بل مُنطلقًا لصناعة المستقبل، وشاهدًا فنيًا عالميًا على تاريخ المكان وثقافته.