التلاقي الثقافي: مورد استراتيجي في إدارة الثقافة
أ د. صالح عيظة الزهراني — 2026-02-03
الثقافة لم يعد ينظر إليها بوصفها نشاطًا ترفيهيًا أو حقلًا هامشيًا، بل فعلًا حضاريًا من شأنه بناء الأفراد والمجتمعات، وذلك عبر رفع مستوى الوعي الفكري الذاتي وتعزيز سبل التواصل مع الآخر.
تتردد على مسامعنا مؤخرًا عبارة "الإدارة الثقافية" في سياق الحديث عن مشروع الرؤية السعودية 2030 الذي يهدف إلى إحداث نقلة نوعية على شتى الأصعدة ومنها الصعيد الثقافي. والواقع أن الثقافة لم يعد ينظر إليها بوصفها نشاطًا ترفيهيًا أو حقلًا هامشيًا، بل فعلًا حضاريًا من شأنه بناء الأفراد والمجتمعات، وذلك عبر رفع مستوى الوعي الفكري الذاتي وتعزيز سبل التواصل مع الآخر. ولا يخفى على أحد ما نعيشه اليوم في عالمنا من تسارع كبير وتحولات مستمرة جعلت من فكرة التلاقي الثقافي ضرورة ملحة لاستيعاب ما حولنا من متغيرات، ومواكبة النقلات النوعية المتلاحقة، وهي مسؤولية لا يمكن الاضطلاع بها دون عمل مؤسساتي يدرك معنى المسؤولية الثقافية، على نحو يضمن إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات والجماهير وبين النشاط الثقافي والعمل الإداري. هذا الأمر يزداد أهمية، وربما صعوبة، حين يكون الفعل الثقافي عابرًا للحدود، ما يقتضي مهنية عالية في التعامل مع المعطى الثقافي وتصديره إلى الآخر.
التلاقي بوصفه أداة لبناء الشراكات وزيادة رقعة الجمهور
يواجه المشهد الثقافي جملة من التحديات لعل من أبرزها نخبوية المثقفين واحتكار العمل الثقافي ضمن فئة بعينها، ما أدى بالمقابل إلى تهميش فئات من المجتمع وتضييق دائرة المنتمين إلى المشهد الثقافي حتى من المتخصصين أنفسهم، وقد يكون ذلك نابعًا من محدودية الرؤية المتصلة بالعمل الثقافي وغياب استراتيجية تحكم العلاقة بين المثقف والجمهور. ومن سبل مواجهة هذه التحديات تأتي فكرة التلاقي الثقافي بوصفها شبكة أكثر اتساعا وأسرع نموا تساعد على الخروج من شرنقة العلاقات المحدودة والزوايا الضيقة، وتعيد توزيع خارطة الثقافة على نطاقٍ أكثر شمولية وأرحب آفاقًا.
ومن طبيعة التلاقي الثقافي، سهولة بناء العلاقات فيه، بداية بربط المؤسسات المحلية ببعضها، فتكون أكثر صلابة واستعدادًا للقفز خارج الحدود القومية، وهو ما أثبتته التجارب الناجحة في العالم العربي والغربي على حدٍّ سواء.
تحويل التلاقي إلى سياسة ثقافية معاصرة
إذا ما انتهينا إلى أن التلاقي بوصفه فعلا ثقافيا يعد سبيلا لتطوير المشهد الثقافي وتوسيع رقعته؛ فمن الضروري أن نعي حاجته إلى جهد مؤسسي يضطلع بمهامه وأهدافه. هذا الجهد المأمول لا يمكن أن يحقق أهدافه دون سياسة ثقافية حقيقية وحديثة، ترتكز على التخطيط الإستراتيجي الذي لا يستجيب للعفوية أو الصدفة. وفي هذا الصدد تبرز الإدارة النوعية التي تعمل على تجسير الخبرات والكفايات وإدماج الثقافة في منظومة التنمية الوطنية والقومية وتأطير العلاقة بين المجتمعات والفواعل الثقافية عن طريق إشاعة الحوار وتعزيز العمل المشترك.
قيمة التلاقي بوصفه مصدرًا للابتكار والإبداع
تصر طبيعة العمل الثقافي على عدم التفريط في فكرة الشمولية والتطور والنظرة الكونية، عوضًا عن الانكفاء والانغلاق على الذات الذي لا يعد بأي ابتكار أو إبداع بقدر ما يكرس النمطية ويرسخ التكرار. ومن المعلوم بالضرورة أن تعزيز فكرة التلاقي الثقافي بين ثقافتين أو أكثر يبشر بولادة رؤى وأفكار جديدة تسهم في بناء الفكر الإنساني على نحو أكثر شمولية وإبداعًا. ولعل وصف هذه العلمية بالتلاقح دقيق تمامًا، من حيث إن التلاقي ليس مجرد اتصال عابر، بل تمازج عميق يثمر خلقا جديدا ومختلفا.
الخبرات الأكاديمية والفنية بوصفها جسورًا ثقافية
من ركائز تشكيل الخبرة في أي مجال، توسيع نطاق التلقي والممارسة عن طريق التعرض المباشر للثقافات والأفكار المختلفة. ولا ريب في أن الابتعاث الخارجي، خاصة الدراسي منه، يعد من أبرز مصادر هذا التثاقف، فقد صنع جيلا من الأكاديميين والمثقفين والفنانين السعوديين من منفتحي الأفق، قدموا نموذجًا مضيئًا لمجتمعهم وكانوا سفراء حقيقيين لبلدهم وثقافتهم. والواقع أن هذا النوع من المثاقفة هو رحلة عبور ثقافيّ ومعرفيّ أكثر من كونه انتقالا عرضيا، فعبره تتشكّل هويات جديدة أكثر نضجًا واقتدارًا على التفاعل، وهو ما يؤهل أصحاب التجربة ليكونوا قادة مؤهلين لتحويل المفاهيم والنظريات المجردة إلى ممارسات حية وفاعلة.
ولكي يؤدي هذا التثاقف دوره، فإنه يستلزم فضاءاتٍ ثقافية عالية المستوى كالملتقيات الثقافيات والأندية الأدبية التي لديها القدرة على استثمار الخبرات في مشاريع مستدامة، شريطة أن تحظى بإدارات ثقافية حقيقية ومؤهلة، وهو التجربة الحديثة وغير الناضجة في سياقنا الثقافي المحلي حتى الآن.
القادة الثقافيون: من إدارة الفعاليات إلى صناعة الثقافة
ليست الإدارة الثقافية مجرد تنسيق للفعاليات، أو تسيير لمشاريع وقتية، بل هي صناعة ذات رؤية تقوم على هندسة الأنشطة الثقافية ضمن عمل مؤسسي متكامل ومستدام، مستثمرا كل المعطيات والظروف المحيطة ليترجم الفكرة إلى مشروع ومنتج حقيقي.
وعليه، فإن القائد الثقافي صانع بالأساس ومهندس ومنتج تتجلى رسالته في إشاعة الثقافة وتفعيل دور المثقف وتلمس حاجة سوق الثقافة مع إخلاص للعمل وضمان لجودة المخرجات. ومن أولى مهام القيادة الثقافية مد الجسور، والعمل على الموازنة بين الانفتاح الواعي والحفاظ على خصوصية الثقافة المحلية، وبين الإفادة من المعاصرة دون التخلي عن الأصالة، وخلق فضاءً يسوده الحوار الفاعل بين الأجيال والثقافات.
تجربتي في إدارة النادي الإسباني
ولدت فكرة النادي الإسباني بالتوازي مع إعطائي لدروس في اللغة الإسبانية، إيمانًا بأن تدريس اللغة معزولة عن سياقاتها لا يَعد بتجربة تعليمية عميقة، وزاد الأمر ضرورة ومنطقية حقيقة ما بين الثقافة الإسبانية والعربية من قواسم مشتركة تمتد جذورها إلى ماضي الحضارة العربية في الأندلس، وأن الالتفات إلى هذا التلاقي يمكنه أن يمنح الثقافتين بعدًا إنسانيا أكثر عمقًا. وعليه، اتخذ النادي من تدريس اللغة الإسبانية جسرا لسبر أغوار الأدب، والموسيقى، والفلسفة، والفنون في إسبانيا وسائر البلدان الناطقة بالإسبانية.
لقاءات تفاعلية جمعت الشرق بالغرب، ليستحيل النادي مختبرًا ثقافيًا يجمع الأكاديميين والطلبة والمبدعين في بيئة منفتحة تُشجع الحوار والإنتاج المشترك، مع فتح المجال لكل المهتمين للمشاركة حاضرين ومحاضرين، دون الاقتصار على طيف واحد أو نخبة بعينها. والواقع فإن إدارة النادي لا تمثل تجربة قديمة، لكنها تدرك أن العمل ولد ليستمر وأنه عمل ممنهج ومتدرج يتغيا تكوين مجتمع ثقافي خاص، موازنًين بين ضرورة الاستدامة وأهمية الجودة، ومؤمنين بقيمة العمل التطوعي في رسم خطط العمل وتسييره وإتاحته على نطاق واسع ليكون الجمهور شريكا في العمل في شتى مجالاته.
أما الخطط المستقبلية فعديدة، أهمها، تحويل النادي إلى مركز تفاعل ثقافي سعودي-إسباني، يُسهم في بناء جيلٍ مثقف وقادة ثقافيين قادرين على إدارة العلاقات الثقافية بين العالمين العربي والإسباني، في إطار رؤية المملكة الثقافية الجديدة التي تُعلي من شأن التبادل الحضاري والانفتاح الواعي، مع الحرص على بناء شراكات مع الجهات ذات العلاقة، والوصل إلى أكبر شريحة من المهتمين.
الخاتمة: من الانغلاق إلى التفاعل
لم يعد مجديًا النظر إلى الثقافة بوصفها خطابًا معرفيًا منغلقًا، فالواقع يفرض التعامل معها على أنها مساحة من التفاعل الحيّ تتلاقى وتتلاقح فيها التجارب الإنسانية على اختلاف مشاربها، ما يجعل من الثقافة كائنا حيًا لا ينمو ويزدهر في ظل العزلة والانغلاق والنظرة الأحادية. وإذا كنا خلصنا إلى أن الثقافة نشاط استراتيجي يتعامل بلباقة مع الحاضر ويستشرف المستقبل بوعي، وأنها تجعلنا ننظر إلى الآخر باعتباره مرآةً للذات، وإلى التباين بوصفة ميزة ووسيلة للتجديد والتقارب؛ فإن الإدارة الثقافية الحديثة هي السبيل الأمثل لتحقيق ذلك كله وتحويل الاجتهادات إلى سياسات، والمعارف إلى منظومات ومؤسسات، لتكون الثقافة رسالة حضارية، تقاوم الانغلاق والعزلة والعشوائية.