السياسات الثقافية والإدارة الثقافية: جدل المعنى والسلطة
د.محمد محمود عبد العال — 2025-01-20
ما أكثر ما نسمع هذه العبارة "السياسات الثقافية". وما أكثر الوثائق التي تُكتب في هذا الباب وتُلقى فيها الخُطب وتُعقد لها المؤتمرات! فما أكثر ما نتحدث عن الثقافة وكأنها خبز يومي أو قهوة الصباح وما أقلّ ما نفهمها حين تدخل في دهاليز السياسة.
ما أكثر ما نسمع هذه العبارة "السياسات الثقافية". وما أكثر الوثائق التي تُكتب في هذا الباب وتُلقى فيها الخُطب وتُعقد لها المؤتمرات!
فما أكثر ما نتحدث عن الثقافة وكأنها خبز يومي أو قهوة الصباح وما أقلّ ما نفهمها حين تدخل في دهاليز السياسة. فإذا قيل "السياسات الثقافية" أو "الإدارة الثقافة" تخيّل الناس المؤتمرات والشعارات وتناسى البعض أن المسألة في جوهرها أبسط وأخطر — إنها سؤال السلطة على المعنى.
ولكن هل يفكر الناس طويلاً في معناها؟ هل ينفذون إلى جوهرها؟ أم تراهم يقفون عند حدودها الظاهرة ويتعاملون معها كما يتعاملون مع النشرات الإدارية والأوامر المكتبية؟
وأزعم غير متردد ولا متحفظ أن السياسة الثقافية ليست بهذه البساطة التي قد تُوهم بها العناوين الرسمية. بل إنها — لمن أراد أن يتأمل ويتدبر — صورةٌ مكثّفة لروح الدولة وخلاصةٌ دقيقة لتصوّرها عن الوعي، عن الإنسان، عن العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين الحُكم والإبداع.
إن السياسة الثقافية ليست بيانًا رسميًا وإنما هي مرآة ولكنها مرآة غريبة لا تعكس الملامح الظاهرة وحدها بل تكشف الأعماق وتفضح المستور وتُظهر ما يُراد إخفاؤه.
وجه الثقافة في مرآة الدولة
كل دولة، شئنا أم أبينا، لها وجه ثقافي، تُظهره أحيانًا وتُخفيه أحيانًا أخرى. وهي، حين تضع سياستها الثقافية، لا تفعل ذلك عبثًا، ولا لمجرّد التنظيم. وإنما هي — عن قصد أو عن غير قصد — ترسم صورة للإنسان الذي تريد أن تراه في مجتمعها وتخطّ ملامح الوعي الذي تطمح إلى ترسيخه في النفوس.
تُتغيا الدولة بهذا المعنى أن تُحدّد ما ينبغي أن يُقال وما ينبغي أن يُسكَت عنه. تُريد أن تُشجّع بعض الأذواق وتُهمّش أذواقًا أخرى. تُكرّم بعض الهويات وتُلقي بغيرها في غياهب النسيان.
أفليس من العدل أن نقول إن السياسة الثقافية ليست مجرد "سياسة"؟ بل هي في الحقيقة مشروعٌ له ملامح أيديولوجية يحمل في طياته تصورًا لما يجب أن يكون عليه المجتمع ويُقصي تصورات أخرى قد تراها السلطة غير ملائمة أو غير مُطيعة أو غير آمنة؟
السلطة والمعنى: حين تتصارع التأويلات
إن الثقافة في صميمها ليست حيادًا ولا براءة. وإنما هي — كما يقول دارسو الثقافة — ميدانٌ للصراع وساحة تتنازع فيها التأويلات وتتصادم فيها الرؤى وتتناحر فيها المعاني.
فليس هناك تمثيل ثقافي بريء. فكل خطاب يحمل في عمقه شكلًا من أشكال السلطة. يُقصي من شاء ويُقرّب من شاء. يرفع من شاء ويُهمّش من شاء.
تُرى، من يُمثّل من؟ ومن يملك الحق في أن يُسمع صوته؟ ومن يُدفَع به إلى الهامش لا لذنب اقترفه، بل لأنه لا يُشبه النموذج المرغوب فيه؟
ولذلك، كان لا بد للدارسين أن ينهضوا بمهمّة التفكيك لا من باب اللهو العقلي ولكن من باب المسؤولية الثقافية. فالتفكيك ليس ضربًا من الترف وإنما هو قيام بممارسة الحرية واستردادٌ للحق في المعنى.
السياسات الثقافية: أسئلة تتجاوز الفن
ربما يظن الناس حين يسمعون "السياسة الثقافية" أنها تدبير شؤون المسارح والمتاحف ودور الأوبرا والمهرجانات وتدشين المؤتمرات. ولكن هل هذه هي الحقيقة كلها؟ أو هل هي حتى نصف الحقيقة؟
إن السياسات الثقافية في أغوارها لا تهتم بالفن وحده ولا بالجمال وحده بل تُعنى بالإنسان — كائنًا اجتماعيًا وتاريخيًا وروحيًا. وهي تسعى من حيث تدري أو لا تدري إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة والفرد والمجتمع وبين الفرد ونفسه.
من نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟ وما الوجه الذي نحبّ أن يُرى منّا؟ كل هذه وغيرها أسئلة تتوارى تحت ظاهر السياسات الثقافية ولكنها — في حقيقتها — لُبّها وأصلها.
ولذلك وجب أن نُسائل هذه السياسات لا على مستوى البرامج فقط ولكن على مستوى القيم والأسس: ما شرعيتها؟ ما أخلاقياتها؟ ما حدود سلطتها؟ وهل يمكن لها أن تُنظّم الثقافة دون أن تقتلها؟
الإدارة الثقافية: حين تتحوّل الثقافة إلى ممارسة مؤسساتية
ولئن كانت السياسة الثقافية هي التصوّر العام فإن الإدارة الثقافية هي ذلك الترجمان الذي يُحوّل التصور إلى واقع والرؤية إلى مؤسسات والحلم إلى هياكل وإجراءات.
لكن دعونا نُفكّر قليلًا: هل الإدارة الثقافية هي فقط تنظيم النشاطات وتوزيع الميزانيات؟ كلا، إنها أكبر من ذلك وأخطر. فهي تُدير المعاني وتُشرف على إنتاج الرموز وتُساهم — بقصد أو بغير قصد — في صناعة الوعي الجمعي. إنها آلة ضخمة تُديرها الدولة ولكنها تتغلغل في المجتمع وتُعيد تشكيل تصوّرات الناس للآخرين، ولذواتهم.
ويكفينا أن نُشير إلى ما قاله توني بينيت في كتابه "ميلاد المتحف" حين اعتبر أن المؤسسات الثقافية ليست محايدة بل هي "تكنولوجيات للسلطة" تُنظّم السلوك وتُهذّب الغرائز وتُعيد تشكيل الإنسان بحسب ما يوافق النظام.
حين تصبح الثقافة نظام حياة
ما كان للثقافة أن تكون ترفًا ولا كان لها أن تُختزل في الفنون الجميلة. بل كانت - ولا تزال - تعبيرًا عن معنى الحياة ومرآة للهوية وأداة للصراع والتفاوض والتعبير.
وحين تُصاغ السياسات الثقافية لا تكون مجرّد بنودٍ مكتوبة في دفاتر الدولة وإنما إعلانًا - صامتًا أحيانًا، وصاخبًا أحيانًا أخرى - عن تصوّر الدولة لذاتها ولمواطنيها ولمستقبلها.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ما السياسة الثقافية؟ وإنما هو: من نحن؟ ومن نُريد أن نكون؟ وما الصورة التي نرغب أن نُرى عليها أمام أنفسنا؟ وأمام العالم؟
ومن هنا، يصبح السؤال الفلسفي الأخير الذي تطرحه السياسات الثقافية علينا سؤالًا وجوديًا بامتياز:
هل نريد ثقافة تسوغ الواقع أم ثقافة تُعيد اختراعه؟
هنا يظهر الفرق بين الدولة التي ترى الثقافة "وسيلة سيطرة" وتلك التي تراها "رسالة نهضة". فالأولى تُنفق لتوجّه والثانية تُنفق لتُحرّر. تبني الأولى الأسوار حول الفكرة وتفتح الثانية النوافذ على المستقبل.
إن الثقافة ليست مجموعة كتبٍ تُطبع ولا مهرجاناتٍ تُقام بل هي موقفٌ من الإنسان والحياة. هي ضوءُ العقل إذا استُثير ونورُ القلب إذا استنار. فإن صيغت السياسات الثقافية على هذا النحو كانت منبعًا للرقيّ والحرية وإن حُبست في دوائر البيروقراطية أو لسوق الشركات الخاصة تحوّلت إلى صدًى باهتٍ لصوتٍ كان يومًا جميلًا.