هل ينجح التسويق الثقافي عندما يصبح أقل ثقافة؟
محمد المحمد — 2026-06-29
كيف نقيس نجاح حملة تسويق ثقافي؟ هل تكفي أرقام المشاهدات؟ أم عدد الزوار؟ أم هناك مؤشرات أكثر أهمية؟
تأملات في العلاقة بين مؤشرات التسويق وأهداف الإدارة الثقافية
أثناء زيارتي لرواق عالية في مسقط، وجدت نفسي أمام تجربة ثقافية مختلفة عن كثير من الفعاليات التي اعتدنا الاحتفاء بها في القطاع الثقافي. لم يكن المكان مزدحمًا، ولم تكن هناك طوابير انتظار طويلة، أو أرقام قياسية للزوار، أو حملات رقمية تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، كان الزوار يتحركون بهدوء بين الأعمال الفنية، يتوقفون طويلًا أمام بعضها، ويتبادلون النقاش حولها أكثر من انشغالهم بتصويرها أو مشاركتها.
وأثناء التجول، راودني سؤال لم يغادرني منذ ذلك اليوم: لو قارنا هذه التجربة بمعرض ثقافي يزوره أكثر من مليون شخص، أو بحملة ثقافية تحقق عشرات الملايين من المشاهدات، فأيهما أكثر نجاحًا؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يكشف واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في الإدارة الثقافية المعاصرة. في عالم التسويق، اعتدنا النظر إلى مؤشرات مثل الوصول، والمشاهدات، والتفاعل، وعدد الزوار بوصفها مؤشرات نجاح واضحة. وكلما ارتفعت هذه الأرقام، ارتفعت معها قناعة المؤسسة/الجهة بأنها تحقق أهدافها. أما في الثقافة، فالأمر يبدو أكثر تعقيدًا؛ فالمؤسسات الثقافية لا تعمل فقط من أجل جذب الجمهور، وإنما من أجل بناء الوعي، وتعزيز الهُوية، وتنمية الذائقة، وتوسيع المشاركة الثقافية.
وهنا تبدأ المعضلة. لأن ما يمكن قياسه بسهولة ليس بالضرورة هو ما يهم فعلًا؛ يمكننا معرفة عدد زوار معرض خلال دقائق، لكن يصعب معرفة عدد الأشخاص الذين غيّروا نظرتهم للقراءة بعد الزيارة، كما يمكن قياس عدد مشاهدات مقطع فيديو ثقافي بسهولة، لكن يصعب معرفة ما إذا كان قد عمّق فهم المشاهد لهويته أو تاريخه أو مجتمعه.
لهذا السبب، يبدو القطاع الثقافي أحيانًا وكأنه يعيش بين منطقين مختلفين؛ منطق التسويق الذي يسأل: كم شخصًا وصلنا إليه؟ ومنطق الثقافة الذي يسأل: ماذا حدث له بعد أن وصلنا إليه؟
لكن كلما تأملت التجارب الثقافية السعودية خلال السنوات الأخيرة، بدأت أشك في أن هذا السؤال نفسه قد يكون مضللًا.
هل المشكلة في الأرقام؟
قبل سنوات، كان الجدل الثقافي يدور حول فكرة مختلفة تمامًا، كان كثيرون من المثقفين ينظرون إلى التسويق بوصفه تهديدًا للثقافة أو خطوة نحو "تسليعها"، وكانت هناك خشية دائمة من أن يؤدي السعي وراء الجمهور إلى إضعاف القيمة الثقافية للمحتوى.
لكن التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة كشفت شيئًا مختلفًا؛ فالقطاع الثقافي لم يعد يعمل في هامش المجتمع، وأصبح جزءًا من رؤية وطنية واسعة تسعى إلى جعل الثقافة نمط حياة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتطوير الاقتصاد الإبداعي، ورفع جودة الحياة، وفي هذا السياق، لم يعد السؤال: هل نستخدم التسويق؟ وإنما: كيف نستخدمه؟
المفارقة أن بعض العاملين في الثقافة انتقلوا من الخوف من التسويق إلى الوقوع في مشكلة أخرى، وهي التعامل مع مؤشرات التسويق بوصفها الهدف النهائي للعمل الثقافي، وهنا يبدأ الخلط، فارتفاع عدد المشاهدات لا يعني بالضرورة نجاحًا ثقافيًا، كما أن انخفاضها لا يعني بالضرورة فشلًا ثقافيًا.
دراسة وزارة الثقافة: حين لا تكفي المشاعر الإيجابية
تكشف دراسة حديثة* حول إعلانات وزارة الثقافة عبر منصة X أن الجمهور أبدى اتجاهات إيجابية مرتفعة تجاه المحتوى الثقافي المنشور، خصوصًا المحتوى الذي يوظف الرموز التراثية والهوية الوطنية. لكن الدراسة نفسها أشارت إلى محدودية التفاعل النشط، وإلى حضور مؤسسي مرتفع في بعض الرسائل، وضعف نسبي في توظيف السرد التفاعلي والأدوات الرقمية الحديثة.
السؤال الأهم: ماذا تعني هذه النتائج أصلًا؟
إذا كان الجمهور يحب المحتوى ويقدّره لكنه لا يتفاعل معه بصورة كبيرة، فهل هذه مشكلة تسويقية أم ثقافية؟ وهل التفاعل هو الهدف؟ أم أن بناء صورة ذهنية إيجابية تجاه الثقافة قد يكون نجاحًا بحد ذاته؟
هذه الحالة تكشف أن بعض المؤشرات التي نستخدمها قد لا تكون كافية لفهم القيمة الثقافية التي تحققت فعليًا.
يوم التأسيس: عندما يصبح التفاعل جزءًا من التجربة
على النقيض من ذلك، تقدم حملات يوم التأسيس نموذجًا مختلفًا، فالأرقام هنا ضخمة؛ عشرات الملايين من الانطباعات والمشاهدات والتفاعلات. لكن القيمة لا تكمن في الأرقام نفسها، فلو تأملنا التجربة بعمق، سنجد أن ما حدث لم يكن فقط حملة تواصل ناجحة، وإنما مشاركة جماعية واسعة في طقس ثقافي وطني. ملايين الأشخاص لم يكتفوا بالمشاهدة، وارتدوا الأزياء التقليدية، وشاركوا الصور، وتفاعلوا مع الرموز التاريخية، وأسهموا في إنتاج المحتوى وإعادة تداوله بأنفسهم.
هنا أصبح التفاعل أكثر من مؤشر قياس، أصبح جزءًا من التجربة الثقافية نفسها، وهذا فارق جوهري.
معرض الرياض الدولي للكتاب: هل المليون زائر هو الإنجاز الحقيقي؟
حين يحقق معرض الرياض الدولي للكتاب أكثر من مليون زائر، يصبح من السهل اعتبار الرقم هو قصة النجاح؛ لكن لو توقفنا عند الرقم فقط، سنفقد جزءًا مهمًا من الصورة.
فالتحول الأبرز الذي شهده المعرض خلال السنوات الأخيرة لا يتعلق بعدد الزوار وحده، وإنما بتحوله إلى تجربة اجتماعية وثقافية واسعة تتجاوز شراء الكتب، أصبح المعرض مساحة للقاء والحوار، والفعاليات، والورش، والتجارب العائلية. بمعنى آخر، لم يعد الكتاب هو المنتج الوحيد الذي يقدمه المعرض، وأصبحت التجربة الثقافية نفسها جزءًا من القيمة المقدمة.
وهنا يظهر درس مهم للعاملين في الإدارة الثقافية: لا تتفاعل الناس دائمًا مع المحتوى الثقافي بوصفه محتوى، تتفاعل معه بوصفه تجربة.
"روايتنا السعودية": قوة السردية
حين قررت هيئة المتاحف، توحيد أحد عشر متحفًا إقليميًا تحت قصة واحدة بعنوان "روايتنا السعودية: نافذة على المتاحف" لم تكن الفكرة تسويقية بالمعنى التقليدي.
كان مستهدفًا زيادة عدد الزيارات بلا شك، وكان مستهدفًا أيضًا إعادة تقديم التراث بوصفه قصة وطنية متكاملة تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وهنا تتجلى أهمية السردية في العمل الثقافي، فالجمهور لا يتذكر عادة عدد القاعات التي زارها أو عدد القطع التي شاهدها، لكنه يتذكر القصة التي خرج بها من الزيارة.
ولهذا فإن أحد أهم أدوار التسويق الثقافي هو المساعدة في صياغة معنى يمكن للجمهور أن يتفاعل معه.
العلا: عندما يصبح المكان وسيلة اتصال
ربما تقدم العلا أحد أكثر النماذج السعودية اكتمالًا في هذا الجانب، فنجاح العلا لا يمكن تفسيره فقط بحجم الإنفاق أو عدد الزوار أو جودة الفعاليات. وما حدث هناك يتجاوز ذلك كله. لقد تحوّل المكان نفسه إلى رسالة ثقافية.
فالجبال، والمواقع الأثرية، والمنشآت المعمارية، والفعاليات الفنية، والعلامة البصرية، والسردية الإعلامية، كلها بدت وكأنها أجزاء من قصة واحدة تتحدث اللغة نفسها وتخدم الهدف نفسه، وهنا يتحول التسويق من نشاط ترويجي إلى أداة لصناعة المعنى.
ماذا نتعلم من هذه الحالات؟
عند النظر إلى هذه التجارب مجتمعة، يتضح أن أكثر المبادرات الثقافية نجاحًا لم تنتصر للوصول على حساب الأثر، ولم تنتصر للأثر على حساب الوصول، فعلت شيئًا مختلفًا.
لقد أعادت تصميم العلاقة بينهما، فبدلًا من أن تسأل: كيف أجعل الناس يشاهدون الثقافة؟ بدأت تسأل: كيف أجعل مشاهدة الثقافة نفسها تجربة ثقافية؟
يصبح الوصول قيمة عندما يقود إلى مشاركة، وتصبح المشاركة قيمة عندما تقود إلى معنى، ويصبح المعنى قيمة عندما يتحول إلى علاقة طويلة الأمد بين الفرد والثقافة.
خاتمة
عندما أتذكر زيارتي لرواق عالية في مسقط، أتذكر السؤال الذي بدأ منه هذا المقال، أي التجربتين أكثر نجاحًا؟ التجربة العميقة التي عاشها عدد محدود من الناس؟ أم التجربة الجماهيرية التي وصلت إلى ملايين الأشخاص؟
أعتقد اليوم أن السؤال نفسه لم يعد مقنعًا؛ لأنه يفترض وجود تعارض بين العمق والانتشار، وبين الثقافة والتسويق، وبين الأثر والوصول، بينما تشير كثير من التجارب الثقافية السعودية الحديثة إلى أن النجاح الحقيقي لا يتحقق عندما نختار أحد الطرفين، يتحقق عندما نصمم تجربة تجعل كل طرف يعزز الآخر.
فالمشكلة ليست أن المؤسسات/الجهات الثقافية أصبحت أكثر اهتمامًا بالتسويق، كما أن المشكلة ليست أن التسويق جعل الثقافة أكثر جماهيرية.
تظهر المشكلة الحقيقية عندما نتعامل مع التسويق بوصفه مرحلة تالية للثقافة، أو مع الثقافة بوصفها محتوى يحتاج فقط إلى الترويج. أما التجارب الأكثر نجاحًا، فهي تلك التي جعلت التسويق جزءًا من التجربة الثقافية نفسها.
فحين يتحول التفاعل إلى مشاركة، وتتحول المشاركة إلى معنى، ويتحول المعنى إلى علاقة طويلة الأمد بين الفرد والثقافة، عندها فقط تصبح الأرقام نتيجة لما تحقق، لا دليلًا وحيدًا عليه.
-
* "دور إعلانات وزارة الثقافة عبر منصة x في تعزيز الهُوّيَة السعودية"، خديجة عبدالله آل مشاري وآخرون، مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، عدد 124 (2025).