تصميم البرامج الثقافية: دورات الكتابة الإبداعية أنموذجًا
حمود الباهلي — 2026-03-15
ليست ورش الكتابة الإبداعية حلًّا سحريًا، ولا طريقًا مختصرًا نحو المجد الأدبي، كما أنها ليست وهمًا بلا جدوى. هي مساحة اختبار واختيار، يلتقي فيها الطموح بإمكانات التعلّم.
قبل ثلاث سنوات، استشرت صديقًا روائيًا بشأن الالتحاق بدورة موضوعها "فن كتابة الرواية" تمتد لستين ساعة تدريبية، مع وعد مغرٍ من الجهة المنظمة للدورة بمساعدة المشاركين على نشر روايتهم الأولى، التي يفترض أن تكتب أثناء الدورة نفسها، كنت أبحث عن دفعة تشجيع محفزة غير أن إجابته جاءت قاطعة ومفاجأة: "كل الروائيين الناجحين، لم ينضموا إلى أمثال هذه الدورات، لكن بالتوفيق لك!".
لم تكن تلك الدورة استثناءً في المشهد الثقافي، بل جاءت ضمن موجة متنامية من البرامج الثقافية التي شهدت في السنوات الأخيرة توسعًا كميًا ونوعيًا لافتًا، وسيتوقف هذا المقال عند أنموذج محدد من هذه البرامج، هو برامج التدريب على الكتابة الإبداعية، بوصفها أحد أكثر أشكال التدريب الثقافي حضورًا.
هل يمكن للإبداع أن يُدرَّس؟
في تقرير الحالة الثقافية لعام ٢٠٢٤، أقامت هيئة الأدب والنشر والترجمة اثني عشر معتزلًا كتابيًا، توزعت على عدد من مناطق المملكة. هذا الحضور المؤسسي المكثف لتجارب تعليم الكتابة الإبداعية وتحفيزها يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: هل الكتابة موهبة فطرية، أم مهارة يمكن اكتسابها بالتعلّم والتدريب؟
يميل كثير من الأدباء إلى الانتصار لفكرة الموهبة، بوصفها الشرط الأول، فالكتابة في تصورهم منحة فطرية، مثل الصوت في الغناء: إمّا أن يكون المرء حسن الصوت، أو يستحيل عليه أن يصبح مغنّيًا، مهما أمعن في التدريب. غير أن هذا التصور، على رسوخه، لا ينفي حقيقة أخرى يقرّ بها الأدباء أنفسهم: أن الموهبة، إن وُجدت، لا تزدهر وحدها، وإنما تحتاج إلى صقل طويل، وعمل شاق، ووعي تقني وجمالي حتى تبلغ نضجها. أما في غيابها التام، فغالبًا ما يعجز التدريب، مهما بلغ من الاحتراف، عن صناعة كاتب حقيقي.
من يحدد الموهبة؟
أرسل شابّ طموح، مجهول الاسم والهوية، الفصولَ الأولى من مخطوطتين روائيتين إلى أكثر من واحدٍ وأربعين ناشرًا ووكيلًا أدبيًا في بريطانيا. جاءت الردود كلّها متشابهة: الرفض. المفارقة أن هاتين المخطوطتين لم تكونا لنصّين عاديين، بل للفصول الأولى من روايتين حصدتا لاحقًا "جائزة البوكر". كانت هذه التجربة، التي وقفت خلفها صحيفة صاندي تايمز اللندنية، اختبارًا صريحًا لتأثير الاسم والسمعة في الحكم على جودة النص، وكشفًا لحدود الموضوعية في التلقي الأدبي.
تفتح هذه الحادثة سؤالًا مقلقًا في سياق تدريب الكتابة الإبداعية: كيف يميّز المتدرّب بين النقد الموضوعي، وبين ذائقة المدرّب الشخصية، بما تحمله من انحيازات وتفضيلات؟ وأين تقف الحدود بين النقد البنّاء، والنقد المُحبِط الذي قد يدفع المتدرّب إلى الشك في موهبته؟
لعل أحد السبل الممكنة لتجاوز هذه الإشكالية هو تقليل سلطة الصوت الواحد؛ بأن يحرص الكاتب على عرض نصوصه على أكثر من ناقد أو مدرّب؛ لأن تنويع زوايا القراءة قد يضمن العدالة ويخفف من وطأة الذاتية، ويمنح الكاتب صورة أوسع عن نصّه.
قياس الأثر
في تدريس الكتابة الإبداعية، تبدو بعض الجوانب أكثر قابلية للقياس من غيرها؛ إذ يمكن رصد المؤشرات الكمية بسهولة، مثل: عدد المشاركين، وعدد الحصص التدريبية، وعدد المشرفين على البرنامج، كما يمكن مقارنة هذه المؤشرات في الدورة نفسها بين عامٍ وآخر، لاستخلاص دلالات تتصل بالاتساع أو الاستقرار أو التراجع، وهي معايير مفيدة في تقييم البنية التنظيمية للبرنامج وانتشاره.
غير أن التحدي الحقيقي يظهر عند محاولة قياس الأثر الجوهري للبرنامج: هل تحسّنت الكتابة الإبداعية فعلًا؟ فهذا التحسّن لا يخضع لمعايير رقمية مباشرة، ومع ذلك، يمكن الاقتراب من هذا الأثر عبر أدوات نوعية، في مقدمتها توجيه أسئلة فردية لكل مشارك حول تجربته الخاصة: كيف تغيّرت علاقته بالكتابة؟ وماذا أضافت له الورشة؟ إن الإجابات عن هذه الأسئلة، رغم طابعها الذاتي، تمثّل مادة ثمينة لقياس أثر الورشة؛ فهي لا تقيس جودة النصوص فحسب، إنما تقيس التحوّل في وعي الكاتب بذاته وبممارسته الإبداعية.
المحرّر أم المبدع؟
ورشُ الكتابة الإبداعية الناجحة، هي تلك التي يتولى الإشراف عليها محرّر محترف، لا يشترط أن يكون كاتبًا مبدعًا بالمعنى المتداول، وإن كان اجتماع الصفتين في شخص واحد مكسبًا إضافيًا للمتدرّبين. فالمحرّر يتعامل مع النص بوصفه مشروعًا قابلًا للتحسين، لا بوصفه امتدادًا لذاته الإبداعية، وهذا الفارق الجوهري ينعكس مباشرة على طبيعة التوجيه الذي يتلقاه المتدرّب.
الكاتب المبدع قد يتقن إنشاء النصوص، لكنه لا يمتلك بالضرورة الصبر أو الأدوات اللازمة للعمل الدؤوب على نصوص الآخرين، ولا القدرة على تفكيكها بهدوء وإعادة تركيبها دون أن يفرض صوته عليها. في المقابل، اعتاد المحرّر على قراءة النصوص قراءة تشخيصية؛ يلتقط مواطن الخلل، ويرصد مواطن القوة، ويقترح حلولًا تحريرية دقيقة، حتى وإن لم يكن قادرًا على كتابة نص يضاهي في جودته النص الذي يعمل عليه. فوظيفته ليست منافسة الكاتب، إنما تمكينه من إظهار نصّه في أفضل صورة ممكنة.
ومع هذا، تميل بعض ورش الكتابة إلى استقطاب أسماء إبداعية لامعة، بوصفها عنصر جذب وتسويق، في حين يغيب المحرّر عن الواجهة، رغم أن وجوده -في كثير من الأحيان- أكثر انسجامًا مع الهدف الحقيقي لمثل هذه الورش.
الكتابة ليست مجرد كتابة!
"تجنّب الكتابة داخل المكتبة"؛ نصيحة سمعتها في إحدى ورش الكتابة، وبقيت عالقة في ذهني. فهي تذكير بأن الكتابة، لكي تكون حيّة، لا بد أن تنطلق من ملاحظات اليومي والعابر، من التفاصيل الصغيرة التي تتشكل خارج الجدران الصامتة.
في الدورة التي ترددتُ طويلًا قبل الالتحاق بها، دار نقاش ثري حول سرّ تأخر ظهور شخصية السيد أحمد عبد الجواد في رواية القصرين، رغم محورية هذه الشخصية في البناء الروائي، كما ناقشنا جاذبية مقدمة رواية الغريب. وعلى الرغم بأن هذه القضايا نوقشت مطولًا في دراسات نقدية، غير أن خصوصية ورش الكتابة تكمن في أنك تسمع هذه الآراء من أشخاص قريبين منك، يعيشون الظروف نفسها، ومع ذلك يقدّمون قراءات مفاجئة وصادمة أحيانًا.
وتقدم بعض التمارين في ورش الكتابة الإبداعية تجارب ملهمة، كأن يُعطى للمتدرّبين مطلع قصة واحدة، ثم يُطلب من كل منهم إكمالها بطريقته الخاصة. هذه التجربة لا يمكن أن تتحقق عبر القراءة وحدها؛ فهي تكشف عمليًا كيف يمكن لأشخاص متشابهين في الخلفية والاهتمامات أن يوجّهوا السرد إلى منعطفات مختلفة تمامًا.
كذلك تمنح الكاتب بعض الأحاديث الجانبية مع المنظمين والمشاركين في الدورات فهمًا أعمق وأكثر واقعية، وتفتح له آفاقًا لتكوين صداقات وعلاقات تسهّل عليه المضي قدمًا في مسيرته الأدبية.
هل لا بدّ أن ينجح الجميع؟
يذكر رولف دوبيلي في كتابه فن التفكير الواضح أن ٩٠٪ من الأعمال والخدمات تقع في خانة العادي، وأن نسبة محدودة فقط يمكن تصنيفها على أنها جيدة، وأقل منها رديئة. وإذا تجاوزنا الدقة الحسابية لهذه الأرقام، فإن الفكرة الجوهرية تظل صحيحة: معظم ما يُنتَج في العالم هو نتاج عادي، لا فشل فيه ولا تميّز لافت.
وبهذا المعنى، لا يمكن أن يكون جميع الروائيين عظماء، كما لا يمكن لكل من يلتحق بورشة كتابة أن يخرج بعدها برواية مكتملة خلال عام واحد، كما تروّج بعض الجهات التنظيمية.
كما أن لكل كاتب نمطه النفسي، وما يرتبط به من تفضيلٍ لطريقة معيّنة في التعلّم. فبعض الكتّاب يزدهر أداؤهم في فضاءات التواصل الشخصي المباشر؛ يستفيدون من الحوار الفردي مع الناقد، ويتفاعلون بحماس مع الملاحظات الشفوية، في المقابل، هناك من يفضّل أجواء المنافسة العلنية، ويستمتع بالنقاش الجماعي، ويستمد طاقته الإبداعية من مقارنة نصّه بنصوص الآخرين، ومن الجدل المفتوح حول الخيارات السردية والأسلوبية.
لهذا، فإن ما قد يكون مناسبًا لكاتب بعينه، قد لا يلائم كاتبًا آخر بالدرجة نفسها.
دورات الكتابة الإبداعية والكسب المادي
أي مجال يدخل فيه الكسب المادي يصبح، بطبيعته، عرضةً لأشكال مختلفة من الاستغلال والاحتيال، وورش الكتابة الإبداعية ليست استثناءً، لا سيما أنها مجال حديث نسبيًا، وتتقاطع فيه رغبة حقيقية لدى الكتّاب الجدد في اختصار طريق النجاح.
وتكشف التجربة أن ورش الكتابة المجانية، على الرغم من أهميتها في إتاحة الفرص، لا تدفع المتدرّب غالبًا إلى بذل الجهد نفسه الذي يبذله حين يدفع مقابلًا ماديًا، فالدفع ولو كان رمزيًا، يخلق التزامًا نفسيًا، ويشجع على الاستمرار والانضباط.
من هنا، يمكن التفكير في حلول وسيطة لتحسين العلاقة بين أسعار الورش وجودة الجهد المبذول فيها، من بينها إتاحة مواد مرئية عالية الجودة لتعليم أساسيات وتقنيات الكتابة. وتُعد منصة ماستر كلاس مثالًا لافتًا في هذا السياق؛ إذ لا يتجاوز الاشتراك الشهري فيها خمسين ريالًا تقريبًا، وتقدّم محاضرات مطوّلة لعدد من الكتّاب المعروفين، مثل دان براون، ومايكل لويس، وسلمان رشدي، ومالكولم غلادويل. يقدّم كل واحد منهم رؤية مختلفة لإرشادات الكتابة، وأساليب العمل، وتجربته الشخصية مع النص.
غير أن محتوى هذه المنصة لا يوفّر خيار الترجمة إلى العربية، وهو نقص يمكن النظر إليه بوصفه فرصة لا عائقًا، فدعم العربية في مثل هذه المنصات يحقق هدفين متلازمين: الأول، إثراء المحتوى العربي المتخصص في تعلّم تقنيات الكتابة الإبداعية، والثاني، الإسهام في ضبط أسعار دورات الكتابة محليًا.
خاتمة
ليست ورش الكتابة الإبداعية حلًّا سحريًا، ولا طريقًا مختصرًا نحو المجد الأدبي، كما أنها ليست وهمًا بلا جدوى. هي مساحة اختبار واختيار، يلتقي فيها الطموح بإمكانات التعلّم، ونجاحها أو إخفاقها لا يُقاس بحجم الوعود التسويقية، إنما بقدرتها على تعميق وعي الكاتب بذاته وأدواته.