في اقتصاديات التحويل الفني: الرواية السعودية أصلًا ثقافيًا قابلًا للاستثمار
أ. د حصة بنت زيد المفرح — 2026-03-15
يمثلُ الأدب في اقتصاديات الثقافة دورًا أكثر من كونه منتجًا فنيًا، فهو يشكل عنصرًا يمكن تحويله إلى مورد اقتصادي واستثماري، ويحدث هذا التحول بتوظيف آليات معينة ضمن مجالات متنوعة.
يمثلُ الأدب في اقتصاديات الثقافة دورًا أكثر من كونه منتجًا فنيًا، أو معرفيًا، أو إبداعيًا فحسب، فهو يشكل عنصرًا يمكن تحويله إلى مورد اقتصادي واستثماري، ويحدث هذا التحول بتوظيف آليات معينة، وضمن مجالات متنوعة؛ تمكن من استثمار المحتوى الأدبي، وتحقيق عوائد مالية وثقافية في الوقت نفسه. ويمكن تلمس القيمة المضافة للاستثمار في الأدب من: تنمية الصناعات الإبداعية، وتوفير وظائف جديدة (كتاب، محررون، فنانون، مترجمون، مصممون...)، ودعم الإنتاج المحلي بالنشر، والطباعة، والتوزيع، إضافة إلى ترويج الهوية الثقافية في الأدب المُصدر عالميًا.
من بين أجناس الأدب، تشكل الرواية السعودية أحد أبرز تجليات الحراك الثقافي للمملكة العربية السعودية في العقود الأخيرة؛ حيث شهدت توسعًا ملحوظًا في الإنتاج، وتنوعًا في الموضوعات، وتجددًا في الفضاءات السردية. ومع هذا الحضور المتزايد، تبرز الحاجة إلى النظر إليها بوصفها أكثر من مجرد منتج أدبي؛ إذ يمكن أن تكون أصلًا ثقافيًا قابلًا للاستثمار ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، وتوظيفها منهجيًا في الاقتصاد الثقافي المحلي.
ويمكن صياغة ما تطرحه المقالة في سؤالين رئيسين هما: ما العوامل التي تجعل من الرواية السعودية أصلًا ثقافيًا يمكن استثماره اقتصاديًا؟ وكيف يمكن تفعيل ذلك ضمن سياسات الاقتصاد الإبداعي في المملكة العربية السعودية؟
ولعل آلية (التحويل الفني) من أبرز قنوات هذا الاستثمار؛ إذ تمثل إحدى أكثر آليات الاقتصاد الإبداعي فاعلية، كما تسمح بتوسيع أثر النص الأدبي ليشمل جمهورًا أوسع، ويوجد فرصًا اقتصادية وثقافية جديدة؛ بما يحقق العوائد الثقافية والاقتصادية ضمن إطار الاقتصاد الإبداعي. وتؤدي الرواية هنا دورًا عالميًا ومركزيًا في الصناعات الإبداعية؛ فهي مصدر أولي للأفلام، والمسرحيات، والمسلسلات، والألعاب، والمنتجات التذكارية، كما أنها توجد فرصًا في النشر، والترجمة، والتعليم، والتسويق الثقافي.
وبناء على ذلك، يتيح تفعيل هذه الآلية للرواية السعودية الانتقال من الورق إلى الشاشة، أو الخشبة، أو الفضاء الرقمي، أو الـتأثير السياحي، أو زيادة النشر والتوزيع؛ بما يضمن لها حيوية ثقافية، وعائدًا اقتصاديًا. كما يبرز (التحويل الفني) بوصفه حلقة مفقودة بين الإنتاج السردي المتنامي وصناعة الترفيه المزدهرة.
ومما يدعم هذا المسار المهم؛ وجود الفرص الحالية المتاحة في السياق السعودي، ومسايرة التوجهات العالمية، ويمكن أن نجملها في:
تمثل الرواية السعودية أداة مهمة للتعبير الثقافي، وهي في تنامٍ مستمر من حيث الكم، وجدة الموضوعات، وجودة التجارب فنيًا.
ينسجم المسار مع رؤية المملكة (2030) وخاصة في محوري: تحقيق الأثر الثقافي، وتنويع الاقتصاد المحلي.
تأسيس هيئات مختلفة في وزارة الثقافة يمكن أن تكون داعمة لتنفيذ المسار، والاستفادة من الخبرات فيها مثل: هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة الأفلام، وهيئة السياحة، وهيئة التراث، وغيرها.
وجود مبادرات مهمة بدأت تأخذ طريقها بفعالية، وهذه المبادرات ترحب بمشاريع تحويل النصوص الأدبية.
وجود تجارب أولية ناجحة للتحويل الفني للرواية السعودية؛ بما يشير إلى بيئة ناضجة للتوسع.
ما يشير إليه تقرير الاقتصاد الإبداعي لليونسكو من أهمية القطاعات المبنية على الأدب والفن، ودورها في دعم الناتج المحلي في دول عديدة على مستوى العالم، لا سيما في الدول المتقدمة في صناعتهما.
وتتجلى أهمية هذا المسار في سعيه نحو سد الفجوة بين الإنتاج الأدبي المحلي والرواية المحلية خاصة، والصناعات الثقافية عامة، كما يوجه الأنظار إلى الرواية السعودية بوصفها رافدًا اقتصاديًا غير تقليدي، ينسجم مع رؤية المملكة (2030) في دعم المحتوى المحلي، وتنويع الاقتصاد.
كما أن النظر إلى التحويل الفني بوصفه جزءًا مهمًا من الاقتصاد الإبداعي يمكن أن: يوسع دائرة الجمهور المستهدف من قراء إلى مشاهدين، ولاعبين، ومتابعين، ومستثمرين، ويحول النص الروائي إلى منتج متعدد الاستخدام: ثقافي، وتجاري، وتعليمي، وترفيهي، كما يوجد سوقًا لصناعات مساندة مثل: التمثيل، والإخراج، والتسويق، والرسوم، والصوتيات، وغيرها، ويعزز الهوية الثقافية الوطنية من وسائط أكثر جذبًا وانتشارًا.
ومع زيادة الإنتاج الروائي في المملكة، إلا أن حضوره في قطاعات التحويل الفني بحاجة إلى دعم أكثر، مع الحاجة إلى بنية مؤسسية تحتضن هذا التحويل، وتفعله ضمن رؤية ثقافية، واقتصادية متكاملة؛ بما يوفر للاقتصاد الإبداعي السعودي أحد موارده المهمة.
ومن هنا؛ فإن حضور استثمار ممنهج للرواية السعودية في قطاعات التحويل الفني يساعد على دمجها الفعال في الاقتصاد الإبداعي الوطني. وعليه، يمكن للرواية أن تتحول إلى أعمال درامية، وأفلام قصيرة، وأخرى وثائقية عن المدن والشخصيات الروائية، وعروض مسرحية توظف اللهجات والموروث المحلي، والسرد المصور(الكوميكس) الموجهة للناشئة والكبار، ومحتوى بصري على المنصات (بودكاست، عروض تفاعلية، أنيميشن)، وتغدو وسيلة ناجحة في الاستثمار السياحي الذي يبرز الهوية الوطنية. إضافة إلى استثمار الآليات الملائمة للتحويل الفني لا سيما ضمن أبعاده التقنية، أو السياحية، أو الثقافية التي تتجاوز المحلية إلى العالمية.
والمتأمل يلحظ امتلاك الرواية السعودية مقومات سردية، ومكانية، وثقافية تجعلها قابلة للتحويل الفني، ومؤهلة لاستثمارها اقتصاديًا، وقادرة على دمجها في الصناعات الثقافية، ولا سيما تلك الروايات ذات البعد المكاني المميز، وتلك التي تعالج التحولات الاجتماعية المهمة؛ إذ تعين هذه المقومات في دعم صياغة تصور ثقافي-اقتصادي لتحويل الأدب إلى صناعة استثمارية، ودعم صُناع القرار الثقافي في بناء سياسات تدعم النشر المستدام، وتحفيز الشراكات مع القطاع الفني والإعلامي، وإبراز الأدب بوصفه مكونًا رئيسًا من مكونات الاقتصاد الإبداعي السعودي. إضافة إلى الإسهام في تمكين الكتاب والناشرين من الدخول إلى الاقتصاد الثقافي العالمي، وتعزيز حضور الرواية بوصفها قوة ناعمة للمملكة العربية السعودية.
وربما يكون من المناسب إنشاء منصة وطنية لتطوير التحويل الفني عن الرواية السعودية، ودعمها بآليات لحماية الملكية الفكرية، ودعم صناديق استثمار الرواية السعودية وتحويلها إلى أعمال فنية متنوعة، والسعي إلى ربط الإنتاج السردي المحلي بالدورة الاقتصادية الثقافية؛ دعمًا لرؤية المملكة (2030)، ومراعاة حقوق تحويل النصوص الأدبية، وتحفيز شركات الإنتاج الفني على التعاون مع الكتاب، والتنسيق فيما بينهم، مع إدراج (التحويل الفني) بوصفه مؤشرًا من مؤشرات الاستثمار الثقافي، وإنشاء دليل تصنيفي للروايات السعودية القابلة للتحويل الفني، والاستثمار الاقتصادي الإبداعي.