حين تُفتحُ بوّابةُ الروح تتكلم الثقافة
نواف نهار النصار — 2026-08-22
ما هو مفهوم الثقافة، وكيف تتشكل؟ وكيف نستنطقها، خاصة في هذه الأوقات التي تتكاثر فيها مشاريع الثقافة.
هناك لحظات في الحياة تمرّ خفيفة، لكنّها تترك أثرًا يشبه الوشم.
ولعلّ أول ما يترك فينا هذا الأثر هو الثقافة.
ذلك الخيط اللامرئي الذي يربط بين إنسانٍ وبيتٍ وشارعٍ ومدينةٍ ولحظةٍ لا نعرف لماذا علقت بنا.
كبرتُ وأنا أرى أن الجدران تتحدث، لا كما يراها الآخرون صامتة، أراها تحفظ في مسامها ضحكات الأمسيات، وأصوات الآباء حين يروون القصص، ورائحة الخبز، وصدى الريح في الشقوق القديمة.
تلك الثقافة الأولى التي نتلقّاها قبل أن نعرف معنى الكلمة، وتشكّل فينا تلك البصمة التي نسميها لاحقًا «الهوية».
الثقافة، إذن، ليست كتابًا ولا منهجًا، هي رائحة أول بيت سكناه، وظلّ أول شجرة لعبنا تحتها، وصوت أول دعاء حفظناه من فم الجدة.
من هنا تبدأ الحكاية.
الهوية كائن حيّ يتنفس عبر الناس
حين نكبر، نفهم أن الهوية ليست تمثالًا من حجر، بل كائنًا حيًا يتغيّر مثلنا، ينكمش ويتوسّع، ينام حين نهمله، ويستيقظ حين نحتضنه.
ليس للهويّة تعريف جاهز، وقالب ثابت، هي نبرة في الصوت، وخط في الفن، ونمط مشية في شارع ضيق من جدة، أو طريقة فنجان يُوضع على الطاولة في إحدى شعاب الرياض القديمة.
إنها تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية، لكنها -في الحقيقة- ملامح وجه الوطن على جسد كل واحد منا.
ومن يعمل في التصميم، مثلي، يدرك جيدًا أن الهوية لا تأتي من المتاحف وحدها، تأتي من الناس حين يعيشون، وينسجون يومهم بخيوط عادية، لكنها مقدّسة.
الثقافة جسرٌ يعبر عليه الماضي دون أن يموت
رأيت خلال عملي -في المشاريع، وفي الورش، وفي الحوارات مع الطلاب- أن الثقافة ليست حجراً نرفعه من الماضي ونضعه في الحاضر، وإنما هي جسرٌ يسمح للتاريخ بالعبور دون أن يبهت لونه.
في السعودية، نعيش اليوم لحظة استثنائية.
لحظة تُفتح فيها النوافذ كلها، ويدخل الضوء من جهات أربع.
مدن تستيقظ، حرف تُعاد قراءتها، تراث ينهض من سباته، وأجيال جديدة تعيد كتابة معنى أن تكون من هنا.
أرى في العلا قصائد مبنية بالحجر، وفي جدة التاريخية موسيقى من خشب البحر، وفي الطائف صوت جبلٍ يتلفّظ بالندى.
كل مدينة تقول شيئًا، والثقافة هي المترجم الذي يفهم لغاتها جميعًا.
التصميم.. حين يصبح طقسًا ثقافيًا
في عملي، اختبرت أن التصميم ليس أداة، بقدر ماهو سؤال.
سؤالٌ يطرحه المكان، ويجيب عنه الإنسان.
لا بالأشكال فحسب، وإنما بالذاكرة.
حين أدخل مشروعًا جديدًا، أسأل المكان أولًا:
ما قصتك؟ أي يدٍ مرّت هنا؟ أي ضحكةٍ سقطت من نافذة؟ أي صلاةٍ رفعت من هذا الركن؟
لأن الهوية -لو أردنا لها أن تبقى- يجب أن تُصنع من صوت الناس، وليس من أفكار معلّقة في الهواء.
لهذا أؤمن أن التصميم فعلٌ ثقافي، وأنه حين يُمارس بروحه الأصيلة، يصبح مثل كتابة جديدة للنفس، يمنح الإنسان مكانًا يعرفه، ومكانًا يعرفه الإنسان.
الثقافة.. مسؤولية تُمسك بيد الحاضر نحو غدٍ أجمل
من خلال تجاربي مع الطلبة والمبدعين الشباب، اكتشفت أن الثقافة لا تعيش في الكتب، ولا في القاعات، تعيش الثقافة حين يتبنّاها جيل جديد، يُفتّش عنها بفضول، ويعيد صياغتها بثقة.
كنت دائمًا أقول لهم: الثقافة ليست زينة، وليست ستارة نعلّقها على جدار المشروع.
الثقافة روحٌ، وإذا لم تدخل في التصميم من الروح، ظلَّ المكان بلا ذاكرة.
وقد رأيت -مرارًا- كيف تتحوّل ورشة عمل بسيطة، أو حديثٌ مع حرفي في زاويةٍ من زوايا جدة القديمة، إلى شرارة تغيّر مسار طالب أو مصمّم.
لأن الثقافة حين تُلمس من دون وسطاء، تنغرس في القلب.. ومن هناك تبدأ الهوية.
السعودية.. قصيدة تُكتب الآن
ما يحدث اليوم في المملكة هو أكثر من مجرد تطور، ما يحدث اليوم نهضةٌ تُكتب بسطر جديد.
نهضة تُعيد ربط المدن بهويتها، وتمنح الإنسان مساحة ليعيد اكتشاف نفسه في مرايا الفن والمعرفة.
هناك من يظن أن الهوية تُحفظ بتجميد الماضي، لكن الحقيقة أن الهوية تُحفظ حين تتحرك،
حين تتنفس، حين تُعاد قراءتها من جديد -دون خوف- وتُعاد كتابتها بأصابع الجيل القادم.
وهذا ما أراه اليوم: أصوات متعددة، رؤى متنوعة، ومشهد ثقافي يرفض أن يكون نسخة من الأمس،
ويصرّ أن يرسم غده بألوان جديدة، دون أن يفقد رائحة الأرض التي جاء منها.
الثقافة كقوة ناعمة.. تهزم الزمن بلا سلاح
من تجربتي في المشاريع الثقافية، تعلمت أن الثقافة لا تستخدم الصوت العالي، ولا تحتاج إلى معارك،
ولا إلى إثبات.
هي تمشي هادئة.. لكنها تغيّر كل شيء.
تُقنع باللطف، تلهم بالصمت، وتنحت الوعي كما لو أنها تمسّد على حجرٍ نائم.
ولهذا تبني الهوية بأقوى مما تفعله السياسة أو التعليم وحدهما.
الثقافة -ببساطة- هي السلاح الوحيد الذي يُصلح ولا يجرح، يبني ولا يهدم، يوحّد ولا يفرّق.
حين نكتب الثقافة.. فهي تكتبنا
إن ما تعلمته طوال هذه السنوات هو أن الإنسان قد يصنع مدينة، لكن الثقافة هي التي تصنع وجه الإنسان نفسه.
تُهذّب الثقافةُ الطريقة التي ننظر بها للأشياء، وتلون مشاريعنا، وتُعيد ترتيب علاقتنا بالأرض.
وعبر كل مبادرة، وكل ورشة، وكل نصّ، وكل مساحة تصميم، نضيف جزءًا جديدًا من هويتنا الجماعية. ولا نضيف فقط معلومة.
لهذا حين نكتب عن الثقافة، فنحن -دون أن نشعر- نكتب عن قلوبنا، عن جذورنا، عن وطنٍ يتحرك في دمنا، ويتسع في كل مرّة نمنحه فيها صوتًا.
الثقافة ليست طريقًا نمشيه، وإنما طريقًا يمشي فينا.
وكلما أصغينا له، كلما اتّضحت ملامح الهوية، وازداد المستقبل قدرةً على احتضاننا كما نحن.. لا كما نتمنى أن نكون.